سورة
اية:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ

تفسير بن كثير

قال البخاري عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال، وقال أبو هريرة، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَه أمعاءه في النار كان أول من سيَّب السوائب) والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر؛ والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. ثم قال البخاري عن الزهري عن عروة، أن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه وهو أول من سيَّب السوائب) وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن أول من سيَّب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو ابن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار) ""تفرد به أحمد من هذا الوجه""وقال عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، وأول من غيَّر دين إبراهيم عليه السلام) قالوا: ومن هو يا رسول اللّه؟ قال: (عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر)، قالوا: ومن هو يا رسول اللّه؟ قال: (رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما، بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويطآنه فأخفافهما)، فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: { وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة وذكر السدي وغيره قريباً من هذا، وأما السائبة: فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وقال محمد بن إسحاق: السائبة: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف. وقال أبو روق: السائبة، كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عوفي من مرض أو كثر ماله سيَّب شيئاً من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا وأما الوصيلة، فقال ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميته اشتركوا فيها. وأما الحامي، فقال ابن عباس: كان الرجل إذا لقح فحله عشراً قيل حام فاتركوه، وكذا قال قتادة، وروى عنه أن الحام: الفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه وقال ابن وهب، سمعت مالكاً يقول: أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: { ولكن الذين كفروا يفترون على اللّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون} أي ما شرع اللّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل بل هو وبال عليهم، { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي إذا دعوا إلى دين اللّه وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال اللّه تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} أي لا يفهمون حقاً ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونها والحالة هذه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً؟

تفسير الجلالين

{ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم { قالوا حسبنا } كافينا { ما وجدنا عليه آباءنا } من الدين والشريعة قال تعالى: { أ } حسبهم ذلك { ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } إلى الحق والاستفهام للإنكار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول قَالُوا حَسْبنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبَحِّرُونَ الْبَحَائِر وَيُسَيِّبُونَ السَّوَائِب الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ أَنَّهُمْ بِإِضَافَتِهِمْ تَحْرِيم ذَلِكَ إِلَى اللَّه تَعَالَى يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب : تَعَالَوْا إِلَى تَنْزِيل اللَّه وَآي كِتَابه وَإِلَى رَسُوله , لِيَتَبَيَّن لَكُمْ كَذِب قِيلكُمْ فِيمَ تُضِيفُونَهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ تَحْرِيمكُمْ مَا تُحَرِّمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء , أَجَابُوا مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ , بِأَنْ يَقُولُوا : حَسْبنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلنَا آبَاءَنَا يَعْمَلُونَ بِهِ , وَيَقُولُونَ : نَحْنُ لَهُمْ تَبَع وَهُمْ لَنَا أَئِمَّة وَقَادَة , وَقَدْ اِكْتَفَيْنَا بِمَا أَخَذْنَا عَنْهُمْ وَرَضِينَا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيم وَتَحْلِيل . قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَوْ كَانَ آبَاء هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَة لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا , يَقُول : لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا يُضِيفُونَهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ تَحْرِيم الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام كَذِب وَفِرْيَة عَلَى اللَّه , لَا حَقِيقَة لِذَلِكَ وَلَا صِحَّة ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَتْبَاع الْمُفْتَرِينَ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا تَحْرِيم ذَلِكَ اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه بِقِيلِهِمْ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ إِضَافَتهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا يُضِيفُونَ مَا كَانُوا فِيمَا هُمْ بِهِ عَامِلُونَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى اِسْتِقَامَة وَصَوَاب , بَلْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَة وَخَطَأ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول قَالُوا حَسْبنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبَحِّرُونَ الْبَحَائِر وَيُسَيِّبُونَ السَّوَائِب الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ أَنَّهُمْ بِإِضَافَتِهِمْ تَحْرِيم ذَلِكَ إِلَى اللَّه تَعَالَى يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب : تَعَالَوْا إِلَى تَنْزِيل اللَّه وَآي كِتَابه وَإِلَى رَسُوله , لِيَتَبَيَّن لَكُمْ كَذِب قِيلكُمْ فِيمَ تُضِيفُونَهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ تَحْرِيمكُمْ مَا تُحَرِّمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء , أَجَابُوا مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ , بِأَنْ يَقُولُوا : حَسْبنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلنَا آبَاءَنَا يَعْمَلُونَ بِهِ , وَيَقُولُونَ : نَحْنُ لَهُمْ تَبَع وَهُمْ لَنَا أَئِمَّة وَقَادَة , وَقَدْ اِكْتَفَيْنَا بِمَا أَخَذْنَا عَنْهُمْ وَرَضِينَا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيم وَتَحْلِيل . قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَوْ كَانَ آبَاء هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَة لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا , يَقُول : لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا يُضِيفُونَهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ تَحْرِيم الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام كَذِب وَفِرْيَة عَلَى اللَّه , لَا حَقِيقَة لِذَلِكَ وَلَا صِحَّة ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَتْبَاع الْمُفْتَرِينَ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا تَحْرِيم ذَلِكَ اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه بِقِيلِهِمْ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ إِضَافَتهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا يُضِيفُونَ مَا كَانُوا فِيمَا هُمْ بِهِ عَامِلُونَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى اِسْتِقَامَة وَصَوَاب , بَلْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَة وَخَطَأ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } الآية تقدم معناها والكلام عليها في [البقرة] فلا معنى لإعادتها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 103 - 106

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بل على الإنسان أن يلتفت إلى أن أول تغيير لمنهج الله كان من أحد الآباء الذين أصابتهم الغفلة. وقول الإنسان: إنما أتبع ما كان عليه آبائي، هو قضية منقوضة؛ لأن الذي غيّر أول تغيير لم يقل: { حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ } لأنه لم يقلد أباً له، وأيضاً فمن المحتمل أن الآباء لم يعقلوا ما غيروه من منهج الله ولم يهتدوا إلى الحق.

وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى:
{  وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }
[البقرة: 170].

إن الآية التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ } لم يقل الله فيها اتبعوا ولكن قال: (تعالوا) أي ارتفعوا كأنهم انحطوا وتسفَّلوا بقولهم: { حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ } إنهم بذلك يرفضون وينكرون كل ما يأتي إليهم من غير طريق تقليد الآباء، فقد قفلوا الطريق وسدوه على أنفسهم.

أما آية سورة البقرة: { بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ } فيحتمل أن يقولوا: ونتبع كذلك ما جاء به الدين، فالنكير أشد على من قال: { حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ }.

وعلى هذا فالاستدراك من الله في كل آية من الآيتين جاء مناسبا لحالهم. كيف ذلك؟ لأن الذي لا يعقل يمكن أن يعلم عن طريق شخص آخر استخرج واستنبط واكتشف، فإنه إن فاته التعقل لم يفته أن يأخذ العلم من غيره، أما الذي لا يعلم فقد باء ورجع بالجهل؛ لأنه لم يصل إلى العلم بنفسه، وكذلك لم يتعلم من غيره.

وجاء - سبحانه وتعالى - بهمزة الإنكار لمسألة اتباع الآباء دون منهج الله. ونلحظ أن الحق جاء بعملية الهداية كأمر مشترك في الآيتين، ذلك أن الهداية من السماء، أما التعقل والعلم فهما عمليتان إنسانيتان.

ويقول الحق من بعد ذلك: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }


www.alro7.net