سورة
اية:

مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

قال البخاري عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال، وقال أبو هريرة، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَه أمعاءه في النار كان أول من سيَّب السوائب) والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر؛ والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. ثم قال البخاري عن الزهري عن عروة، أن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه وهو أول من سيَّب السوائب) وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن أول من سيَّب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو ابن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار) ""تفرد به أحمد من هذا الوجه""وقال عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، وأول من غيَّر دين إبراهيم عليه السلام) قالوا: ومن هو يا رسول اللّه؟ قال: (عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر)، قالوا: ومن هو يا رسول اللّه؟ قال: (رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما، بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويطآنه فأخفافهما)، فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: { وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة وذكر السدي وغيره قريباً من هذا، وأما السائبة: فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وقال محمد بن إسحاق: السائبة: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف. وقال أبو روق: السائبة، كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عوفي من مرض أو كثر ماله سيَّب شيئاً من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا وأما الوصيلة، فقال ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميته اشتركوا فيها. وأما الحامي، فقال ابن عباس: كان الرجل إذا لقح فحله عشراً قيل حام فاتركوه، وكذا قال قتادة، وروى عنه أن الحام: الفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه وقال ابن وهب، سمعت مالكاً يقول: أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: { ولكن الذين كفروا يفترون على اللّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون} أي ما شرع اللّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل بل هو وبال عليهم، { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي إذا دعوا إلى دين اللّه وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال اللّه تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} أي لا يفهمون حقاً ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونها والحالة هذه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً؟

تفسير الجلالين

{ ما جعل } شرع { الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } كما كان أهل الجاهلية يفعلونه، روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدودة فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من أن يحمل عليه شيء وَسَمَّوْه الحامي { ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب } في ذلك وفي نسبته إليه { وأكثرهم لا يعقلون } أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا بَحَّرَ اللَّه بَحِيرَة , وَلَا سَيَّبَ سَائِبَة , وَلَا وَصَلَ وَصِيلَة , وَلَا حَمَى حَامِيًا , وَلَكِنَّكُمْ الَّذِينَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَيّهَا الْكَفَرَة , فَحَرَّمْتُمُوهُ اِفْتِرَاء عَلَى رَبّكُمْ . كَاَلَّذِي : 9991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثني أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , عَنْ اِبْن الْهَادِ : وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني اِبْن الْهَادِ , عَنْ اِبْن شِهَاب , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّائِبَة " . 9992 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن : " يَا أَكْثَم , رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك ! " فَقَالَ أَكْثَم : أَخْشَى أَنْ يَضُرّنِي شَبَهه يَا رَسُول اللَّه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا , إِنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر , إِنَّهُ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل ; وَبَحَّرَ الْبَحِيرَة , وَسَيَّبَ السَّائِبَة , وَحَمَى الْحَامِي " . 9993 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس , قَالَ : ثني هِشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَدْ عَرَفْت أَوَّل مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِر ; رَجُل مِنْ مُدْلِج , كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ , فَجَدَعَ آذَانهمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانهمَا وَظُهُورهمَا وَقَالَ : هَاتَانِ لِلَّهِ , ثُمَّ اِحْتَاجَ إِلَيْهِمَا فَشَرِبَ أَلْبَانهمَا وَرَكِبَ ظُهُورهمَا " قَالَ : " فَلَقَدْ رَأَيْته فِي النَّار يُؤْذِي أَهْل النَّار رِيح قُصْبه " . 9994 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّار فَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بْن فُلَان بْن فُلَان بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَهُوَ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم وَسَيَّبَ السَّائِبَة , وَأَشْبَهَ مَنْ رَأَيْت بِهِ أَكْثَم بْن الْجَوْن " . فَقَالَ أَكْثَم : يَا رَسُول اللَّه , أَيَضُرُّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : " لَا ; لِأَنَّك مُسْلِم , وَإِنَّهُ كَافِر " . 9995 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب . 9996 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب وَأَوَّل مَنْ غَيَّرَ عَهْد إِبْرَاهِيم " قَالُوا : مَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " عَمْرو بْن لُحَيّ أَخُو بَنِي كَعْب , لَقَدْ رَأَيْته يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , يُؤْذِي رِيحه أَهْل النَّار . وَإِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِر " . قَالُوا : مَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " رَجُل مِنْ بَنِي مُدْلِج كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ , فَجَدَعَ آذَانهمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانهمَا , ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانهمَا بَعْد ذَلِكَ , فَلَقَدْ رَأَيْته فِي النَّار هُوَ وَهُمَا يَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا , وَيَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا " . وَالْبَحِيرَة : الْفَعِيلَة , مِنْ قَوْل الْقَائِل : بَحَرْت أُذُن هَذِهِ النَّاقَة : إِذَا شَقَّهَا , أَبْحُرهَا بَحْرًا , وَالنَّاقَة مَبْحُورَة , ثُمَّ تُصْرَف الْمَفْعُولَة إِلَى فَعِيلَة , فَيُقَال : هِيَ بَحِيرَة . وَأَمَّا الْبَحِر مِنْ الْإِبِل : فَهُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَهُ دَاء مِنْ كَثْرَة شُرْب الْمَاء , يُقَال مِنْهُ : بَحِرَ الْبَعِير يَبْحَر بَحَرًا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : لَأَعْلِطَنَّك وَسْمًا لَا تُفَارِقهُ كَمَا يُحَزُّ بِحُمَّى الْمِيسَم الْبَحِر وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْبَحِيرَة , جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9997 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْت إِبِلك أَلَسْت تُنْتِجُهَا مُسَلَّمَة آذَانهَا , فَتَأْخُذ الْمُوسَى فَتَجْدَعُهَا تَقُول هَذِهِ بَحِيرَة , وَتَشُقّ آذَانهَا تَقُول هَذِهِ حُرُم ؟ " قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : " فَإِنَّ سَاعِد اللَّه أَشَدّ , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ , كُلّ مَالِك لَك حَلَال لَا يَحْرُم عَلَيْك مِنْهُ شَيْء " . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْأَحْوَص , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هَلْ تُنْتَج إِبِل قَوْمك صِحَاحًا آذَانهَا فَتَعْمَد إِلَى الْمُوسَى فَتَقْطَع آذَانهَا فَتَقُول هَذِهِ بُحْرٌ , وَتَشُقّهَا أَوْ تَشُقّ جُلُودهَا فَتَقُول هَذِهِ حُرُم , فَتُحَرِّمهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلك ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنَّ مَا آتَاك اللَّه لَك حِلّ , وَسَاعِد اللَّه أَشَدّ , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ " وَرُبَّمَا قَالَ : " سَاعِد اللَّه أَشَدّ مِنْ سَاعِدك , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ مِنْ مُوسَاك " . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَإِنَّهَا الْمُسَيَّبَة الْمُخَلَّاة , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة يَفْعَل ذَلِكَ أَحَدهمْ بِبَعْضِ مَوَاشِيه , فَيُحَرِّم الِانْتِفَاع بِهِ عَلَى نَفْسه , كَمَا كَانَ بَعْض أَهْل الْإِسْلَام يَعْتِق عَبْده سَائِبَة فَلَا يَنْتَفِع بِهِ وَلَا بِوَلَائِهِ . وَأُخْرِجَتْ الْمُسَيَّبَة بِلَفْظِ السَّائِبَة , كَمَا قِيلَ : " عِيشَة رَاضِيَة " , بِمَعْنَى : مَرْضِيَّة . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَإِنَّ الْأُنْثَى مِنْ نَعَمهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ إِذَا أَتْأَمَتْ بَطْنًا بِذَكَرٍ وَأُنْثَى , قِيلَ : قَدْ وَصَلَتْ الْأُنْثَى أَخَاهَا , بِدَفْعِهَا عَنْهُ الذَّبْح , فَسَمَّوْهَا وَصِيلَة . وَأَمَّا الْحَامِي : فَإِنَّهُ الْفَحْل مِنْ النَّعَم يُحْمَى ظَهْره مِنْ الرُّكُوب , وَالِانْتِفَاع بِسَبَبِ تَتَابُع أَوْلَاد تَحْدُث مِنْ فِحْلَته . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَات الْمُسَمَّيَات بِهَذِهِ الْأَسْمَاء وَمَا السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله كَانَتْ تَفْعَل ذَلِكَ . ذِكْر الرِّوَايَة بِمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ : 9998 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث التَّيْمِيّ أَنَّ أَبَا صَالِح السَّمَّان , حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن الْخُزَاعِيّ : " يَا أَكْثَم رَأَيْت عُمَر بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , فَمَا رَأَيْت مِنْ رَجُل أَشْبَه بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك ! " فَقَالَ أَكْثَم : أَيَضُرُّنِي شَبَهه يَا نَبِيّ اللَّه ؟ قَالَ : " لَا ; لِأَنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر , وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل وَنَصَبَ الْأَوْثَان , وَسَيَّبَ السَّوَائِب فِيهِمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ النَّاقَة إِذَا تَابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَة إِنَاثًا لَيْسَ فِيهَا ذَكَر سُيِّبَتْ , فَلَمْ يَرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يَجُزّ وَبَرهَا وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف . فَمَا نَتَجَتْ بَعْد ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شَقَّ أُذُنهَا ثُمَّ خَلَّى سَبِيلهَا مَعَ أُمّهَا فِي الْإِبِل , فَلَمْ يَرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يَجُزّ وَبَرهَا وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف , كَمَا فَعَلَ بِأُمِّهَا ; فَهِيَ الْبَحِيرَة اِبْنَة السَّائِبَة . وَالْوَصِيلَة : أَنَّ الشَّاة إِذَا نَتَجَتْ عَشْر إِنَاث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أَبْطُن لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَر جُعِلَتْ وَصِيلَة , قَالُوا : وَصَلَتْ , فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْد ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُون إِنَاثهمْ , إِلَّا أَنْ يَمُوت مِنْهَا شَيْء فَيَشْتَرِكُونَ فِي أَكْله ذُكُورهمْ وَإِنَاثهمْ . وَالْحَامِي : أَنَّ الْفَحْل إِذَا نَتَجَ لَهُ عَشْر إِنَاث مُتَتَابِعَات لَيْسَ بَيْنهنَّ ذَكَر حُمِيَ ظَهْره , وَلَمْ يُرْكَب , وَلَمْ يُجَزّ وَبَره , وَيُخَلَّى فِي إِبِله يَضْرِب فِيهَا , لَا يَنْتَفِع بِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } إِلَى قَوْله : { وَلَا يَهْتَدُونَ } 9999 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار ; قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق فِي هَذِهِ الْآيَة : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } - قَالَ أَبُو جَعْفَر : سَقَطَ عَلَيَّ فِيمَا أَظُنّ كَلَام مِنْهُ - قَالَ : فَأَتَيْت عَلْقَمَة فَسَأَلْته , فَقَالَ : مَا تُرِيد إِلَى شَيْء كَانَتْ تَصْنَعهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة . 10000 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , قَالَ : أَتَيْت عَلْقَمَة , فَسَأَلْته عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } فَقَالَ : وَمَا تَصْنَع بِهَذَا ؟ إِنَّمَا هَذَا شَيْء مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة ! قَالَ : فَأَتَيْت مَسْرُوقًا , فَسَأَلْته , فَقَالَ : الْبَحِيرَة : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا وَلَدَتْ بَطْنًا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا , شَقُّوا أُذُنهَا وَقَالُوا : هَذِهِ بَحِيرَة . قَالَ : { وَلَا سَائِبَة } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَأْخُذ بَعْض مَاله , فَيَقُول : هَذِهِ سَائِبَة . قَالَ : { وَلَا وَصِيلَة } قَالَ : كَانُوا إِذَا وَلَدَتْ النَّاقَة الذَّكَر أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الْإِنَاث , وَإِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْن قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا , فَلَا يَأْكُلُونَهُمَا ; قَالَ : فَإِذَا مَاتَ الذَّكَر , أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الْإِنَاث . قَالَ : وَلَا حَامٍ , قَالَ : كَانَ الْبَعِير إِذَا وَلَدَ وَوَلَدَ وَلَده , قَالُوا : قَدْ قَضَى هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ , فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِظَهْرِهِ , قَالُوا : هَذَا حَامٍ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح , قَالَ : سَأَلْت عَلْقَمَة , عَنْ قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } قَالَ : مَا تَصْنَع بِهَذَا ؟ هَذَا شَيْء كَانَ يَفْعَلهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة . 10001 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان وَيَحْيَى بْن آدَم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } قَالَ : الْبَحِيرَة : الَّتِي قَدْ وَلَّتْ خَمْسَة أَبْطُن ثُمَّ تُرِكَتْ . 10002 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } قَالَ : الْبَحِيرَة : الْمُخَضْرَمَة . { وَلَا سَائِبَة } وَالسَّائِبَة : مَا سُيِّبَ لِلْهَدْيِ . وَالْوَصِيلَة : إِذَا وَلَدَتْ بَعْد أَرْبَعَة أَبْطُن - فِيمَا يَرَى جَرِير - ثُمَّ وَلَدَتْ الْخَامِس ذَكَرًا وَأُنْثَى وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَالْحَام : الَّذِي قَدْ ضَرَبَ أَوْلَاد أَوْلَاده فِي الْإِبِل . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَالْوَصِيلَة : الَّتِي وَلَدَتْ بَعْد أَرْبَعَة أَبْطُن ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث اِبْن حُمَيْد . 10003 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا إِسْحَاق الْأَزْرَق , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ الشَّعْبِيّ , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَحِيرَة , فَقَالَ : هِيَ الَّتِي تُجْدَع آذَانهَا . وَسُئِلَ عَنْ السَّائِبَة , فَقَالَ : كَانُوا يُهْدُونَ لِآلِهَتِهِمْ الْإِبِل وَالْغَنَم فَيَتْرُكُونَهَا عِنْد آلِهَتهمْ لِتُذْبَح , فَتُخْلَط بِغَنَمِ النَّاس , فَلَا يَشْرَب أَلْبَانهَا إِلَّا الرِّجَال , فَإِذَا مَاتَ مِنْهَا شَيْء أَكَلَهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا . 10004 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } وَمَا مَعَهَا : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل , يُحَرِّم أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَبَرهَا وَظَهْرهَا وَلَحْمهَا وَلَبَنهَا إِلَّا عَلَى الرِّجَال , فَمَا وَلَدَتْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى فَهُوَ عَلَى هَيْئَتهَا , وَإِنْ مَاتَتْ اِشْتَرَكَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أَكْل لَحْمهَا , فَإِذَا ضَرَبَ الْجَمَل مِنْ وَلَد الْبَحِيرَة فَهُوَ الْحَامِي ; وَالسَّائِبَة مِنْ الْغَنَم عَلَى نَحْو ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا مَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَد بَيْنهَا وَبَيْن سِتَّة أَوْلَاد كَانَ عَلَى هَيْئَتهَا , فَإِذَا وَلَدَتْ فِي السَّابِع ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرَيْنِ , ذَبَحُوهُ فَأَكَلَهُ رِجَالهمْ دُون نِسَائِهِمْ ; وَإِنْ تَوْأَمَتْ أُنْثَى وَذَكَرًا فَهِيَ وَصِيلَة , تُرِكَ ذَبْح الذَّكَر بِالْأُنْثَى , وَإِنْ كَانَتَا أُنْثَيَيْنِ تُرِكَتَا . 10005 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } فَالْبَحِيرَة : النَّاقَة , كَانَ الرَّجُل إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَة أَبْطُن , فَيَعْمِد إِلَى الْخَامِسَة , فَمَا لَمْ يَكُنْ سَقْبًا , فَيُبَتِّك آذَانهَا , وَلَا يَجُزّ لَهَا وَبَرًا , وَلَا يَذُوق لَهَا لَبَنًا , فَتِلْكَ الْبَحِيرَة . { وَلَا سَائِبَة } كَانَ الرَّجُل يُسَيِّب مِنْ مَاله مَا شَاءَ . { وَلَا وَصِيلَة } فَهِيَ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ سَبْعًا , عَمَدَ إِلَى السَّابِع , فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذُبِحَ , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ , وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنهَا اِثْنَانِ ذَكَر وَأُنْثَى فَوَلَدَتْهُمَا , قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا , فَيُتْرَكَانِ جَمِيعًا لَا يُذْبَحَانِ , فَتِلْكَ الْوَصِيلَة . وَقَوْله : { وَلَا حَامٍ } كَانَ الرَّجُل يَكُون لَهُ الْفَحْل فَإِذَا لَقَّحَ عَشْرًا قِيلَ : حَامٍ , فَاتْرُكُوهُ ! . 10006 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } لِيُسَيِّبُوهَا لِأَصْنَامِهِمْ . { وَلَا وَصِيلَة } يَقُول : الشَّاة . { وَلَا حَامٍ } يَقُول : الْفَحْل مِنْ الْإِبِل . 10007 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } تَشْدِيد شَدَّدَهُ الشَّيْطَان عَلَى أَهْل الْجَاهِلِيَّة فِي أَمْوَالهمْ , وَتَغْلِيظ عَلَيْهِمْ , فَكَانَتْ الْبَحِيرَة مِثْل الْإِبِل إِذَا نَتَجَ الرَّجُل خَمْسًا مِنْ إِبِله نَظَرَ الْبَطْن الْخَامِس , فَإِنْ كَانَتْ سَقْبًا ذُبِحَ فَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَ مَيْتَة اِشْتَرَكَ فِيهِ ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا وَهِيَ الْأُنْثَى تُرِكَتْ فَبُتِكَتْ أُذُنهَا , فَلَمْ يُجَزّ لَهَا وَبَر وَلَمْ يُشْرَب لَهَا لَبَن وَلَمْ يُرْكَب لَهَا ظَهْر وَلَمْ يُذْكَر لِلَّهِ عَلَيْهَا اِسْم . وَكَانَتْ السَّائِبَة : يُسَيِّبُونَ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ أَمْوَالهمْ , فَلَا تَمْتَنِع مِنْ حَوْض أَنْ تَشْرَع فِيهِ وَلَا مِنْ حِمًى أَنْ تَرْتَع فِيهِ . وَكَانَتْ الْوَصِيلَة مِنْ الشَّاء : مِنْ الْبَطْن السَّابِع , إِذَا كَانَ جَدْيًا ذُبِحَ فَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَ مَيْتَة اِشْتَرَكَ فِيهِ ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , وَإِنْ جَاءَتْ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى قِيلَ وَصَلَتْ أَخَاهَا فَمَنَعَتْهُ الذَّبْح . وَالْحَام : كَانَ الْفَحْل إِذَا رُكِبَ مِنْ بَنِي بَنِيهِ عَشَرَة أَوْ وَلَد وَلَده , قِيلَ حَامٍ , حَمَى ظَهْره , فَلَمْ يُزَمَّ وَلَمْ يُخْطَم وَلَمْ يُرْكَب . 10008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } فَالْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَة أَبْطُن , إِنْ كَانَ الْخَامِس سَقْبًا ذَبَحُوهُ فَأَهْدَوْهُ إِلَى آلِهَتهمْ وَكَانَتْ أُمّه مِنْ عَرْض الْإِبِل , وَإِنْ كَانَتْ رُبَعَة اِسْتَحْيَوْهَا , وَشَقُّوا أُذُن أُمّهَا , وَجَزُّوا وَبَرهَا , وَخَلَّوْهَا فِي الْبَطْحَاء , فَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ فِي دِيَة , وَلَمْ يَحْلُبُوا لَهَا لَبَنًا , وَلَمْ يَجُزُّوا لَهَا وَبَرًا , وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَى ظَهْرهَا , وَهِيَ مِنْ الْأَنْعَام الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورهَا . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَهُوَ الرَّجُل يُسَيِّب مِنْ مَاله مَا شَاءَ عَلَى وَجْه الشُّكْر إِنْ كَثُرَ مَاله , أَوْ بَرَأَ مِنْ وَجَع , أَوْ رَكِبَ نَاقَة فَأَنْجَحَ , فَإِنَّهُ يُسَمِّي السَّائِبَة يُرْسِلهَا فَلَا يَعْرِض لَهَا أَحَد مِنْ الْعَرَب إِلَّا أَصَابَتْهُ عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَمِنْ الْغَنَم , هِيَ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ ثَلَاثَة أَبْطُن أَوْ خَمْسَة , فَكَانَ آخِر ذَلِكَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ وَأَهْدَوْهُ لِبَيْتِ الْآلِهَة , وَإِنْ كَانَتْ عَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهَا , وَإِنْ كَانَتْ جَدْيًا وَعَنَاقًا اِسْتَحْيَوْا الْجَدْي مِنْ أَجْل الْعَنَاق , فَإِنَّهَا وَصِيلَة وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَأَمَّا الْحَام : فَالْفَحْل يَضْرِب فِي الْإِبِل عَشْر سِنِينَ , وَيُقَال : إِذَا ضَرَبَ وَلَد وَلَدِهِ قِيلَ : قَدْ حَمَى ظَهْره , فَيَتْرُكُونَهُ لَا يُمَسّ , وَلَا يُنْحَر أَبَدًا , وَلَا يُمْنَع مِنْ كَلَإٍ يُرِيدهُ , وَهُوَ مِنْ الْأَنْعَام الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورهَا . 10009 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب , فِي قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } قَالَ : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل الَّتِي يَمْنَع دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ . وَالسَّائِبَة مِنْ الْإِبِل : كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ . وَالْوَصِيلَة مِنْ الْإِبِل كَانَتْ النَّاقَة تُبَكِّر بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بِأُنْثَى , فَيُسَمُّونَهَا الْوَصِيلَة , يَقُولُونَ : وَصَلَتْ اِثْنَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر , فَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ , أَوْ يَذْبَحُونَهَا , الشَّكّ مِنْ أَبِي جَعْفَر . وَالْحَام : الْفَحْل مِنْ الْإِبِل , كَانَ يَضْرِب . الضِّرَاب الْمَعْدُود , فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ , قَالُوا : هَذَا حَامٍ , قَدْ حَمَى ظَهْره فَتُرِكَ , فَسَمَّوْهُ الْحَام . قَالَ مَعْمَر , قَالَ قَتَادَة : إِذَا ضَرَبَ عَشَرَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَة أَبْطُن , فَإِنْ كَانَ الْخَامِس ذَكَرًا كَانَ لِلرِّجَالِ دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى بَتَكُوا آذَانهَا , ثُمَّ أَرْسَلُوهَا , فَلَمْ يَنْحَرُوا لَهَا وَلَدًا , وَلَمْ يَشْرَبُوا لَهَا لَبَنًا , وَلَمْ يَرْكَبُوا لَهَا ظَهْرًا . وَأَمَّا السَّائِبَة , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَيِّبُونَ بَعْض إِبِلهمْ , فَلَا تُمْنَع حَوْضًا أَنْ تَشْرَع فِيهِ , وَلَا مَرْعًى أَنْ تَرْتَع فِيهِ . وَالْوَصِيلَة : الشَّاة : كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة أَبْطُن , فَإِنْ كَانَ السَّابِع ذَكَرًا ذُبِحَ وَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ . 10010 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سَلْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } أَمَّا الْبَحِيرَة : فَكَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجُوهَا خَمْسَة أَبْطُن نَحَرُوا الْخَامِس إِنْ كَانَ سَقْبًا , وَإِنْ كَانَ رُبَعَة شَقُّوا أُذُنهَا وَاسْتَحْيَوْهَا , وَهِيَ بَحِيرَة . وَأَمَّا السَّقْب فَلَا يَأْكُل نِسَاؤُهُمْ مِنْهُ , وَهُوَ خَالِص لِرِجَالِهِمْ , فَإِنْ مَاتَتْ النَّاقَة أَوْ نَتَجُوهَا مَيِّتًا فَرِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِيهِ سَوَاء يَأْكُلُونَ مِنْهُ . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَكَانَ يُسَيِّب الرَّجُل مِنْ مَاله مِنْ الْأَنْعَام , فَيُهْمَل فِي الْحِمَى فَلَا يُنْتَفَع بِظَهْرِهِ وَلَا بِوَلَدِهِ , وَلَا بِلَبَنِهِ , وَلَا بِشَعْرِهِ , وَلَا بِصُوفِهِ . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَكَانَتْ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة أَبْطُن ذَبَحُوا السَّابِع إِذَا كَانَ جَدْيًا , وَإِنْ كَانَ عَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهُ , وَإِنْ كَانَ جَدْيًا وَعَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهُمَا كِلَيْهِمَا , وَقَالُوا : إِنَّ الْجَدْي وَصَلَتْهُ أُخْته , فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا . وَأَمَّا الْحَامِي : فَالْفَحْل إِذَا رَكِبُوا أَوْلَاد وَلَده , قَالُوا : قَدْ حَمَى هَذَا ظَهْره , وَأُحْرِزَ أَوْلَاد وَلَده , فَلَا يَرْكَبُونَهُ , وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ حِمَى شَجَر , وَلَا حَوْض مَا شَرَعَ فِيهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَوْض لِصَاحِبِهِ , وَكَانَتْ مِنْ إِبِلهمْ طَائِفَة لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا فِي شَيْء مِنْ شَأْنهمْ , لَا إِنْ رَكِبُوا , وَلَا إِنْ حَمَلُوا , وَلَا إِنْ حَلَبُوا , وَلَا إِنْ نَتَجُوا , وَلَا إِنْ بَاعُوا , فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } إِلَى قَوْله : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } . 10011 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } قَالَ : هَذَا شَيْء كَانَتْ تَعْمَل بِهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , وَقَدْ ذَهَبَ . قَالَ : الْبَحِيرَة : كَانَ الرَّجُل يَجْدَع أُذُنَيْ نَاقَته ثُمَّ يُعْتِقهَا , كَمَا يُعْتِق جَارِيَته وَغُلَامه , لَا تُحْلَب , وَلَا تُرْكَب . وَالسَّائِبَة : يُسَيِّبهَا بِغَيْرِ تَجْدِيع . وَالْحَام : إِذَا نَتَجَ لَهُ سَبْع إِنَاث مُتَوَالِيَات , قَدْ حُمِيَ ظَهْره , وَلَا يُرْكَب , وَلَا يُعْمَل عَلَيْهِ . وَالْوَصِيلَة مِنْ الْغَنَم : إِذَا وَلَدَتْ سَبْع إِنَاث مُتَوَالِيَات حَمَتْ لَحْمهَا أَنْ يُؤْكَل . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا اللَّيْث بْن سَعْد , قَالَ : ثني اِبْن الْهَادِ , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : السَّائِبَة : الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّب فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء . وَالْبَحِيرَة : الَّتِي يُمْنَع دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد . وَالْوَصِيلَة : النَّاقَة الْبِكْر تُبَكِّر أَوَّل نِتَاج الْإِبِل بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بَعْد بِأُنْثَى , وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا لِلطَّوَاغِيتِ , يَدْعُونَهَا الْوَصِيلَة , إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى . وَالْحَامِي : فَحْل الْإِبِل يَضْرِب الْعَشْر مِنْ الْإِبِل , فَإِذَا نَقَصَ ضِرَابه يَدَعُونَهُ لِلطَّوَاغِيتِ , وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْل , فَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ شَيْئًا , وَسَمَّوْهُ الْحَامِي . وَهَذِهِ أُمُور كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَبْطَلَهَا الْإِسْلَام , فَلَا نَعْرِف قَوْمًا يَعْمَلُونَ بِهَا الْيَوْم . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْمَل بِهِ لَا يُوصَل إِلَى عِلْمه - إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَام الْيَوْم أَثَر , وَلَا فِي الشِّرْك نَعْرِفهُ - إِلَّا بِخَبَرٍ , وَكَانَتْ الْأَخْبَار عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَلِفَة الِاخْتِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا ; فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : أَمَّا مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاء , فَمَا بَيَّنَّا فِي اِبْتِدَاء الْقَوْل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة . وَأَمَّا كَيْفَِيَّة عَمَل الْقَوْم فِي ذَلِكَ , فَمَا لَا عِلْم لَنَا بِهِ . وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَخْبَار بِوَصْفِ عَمَلهمْ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ حَكَيْنَا , وَغَيْر ضَائِر الْجَهْل بِذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُرَاد مِنْ عِلْمه الْمُحْتَاج إِلَيْهِ , مُوَصِّلًا إِلَى حَقِيقَته , وَهُوَ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُحَرِّمِينَ مِنْ أَنْعَامهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ مَا لَمْ يُحَرِّمهُ اللَّه اِتِّبَاعًا مِنْهُمْ خُطُوَات الشَّيْطَان , فَوَبَّخَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنْ كُلّ ذَلِكَ حَلَال , فَالْحَرَام مِنْ كُلّ شَيْء عِنْدنَا , مَا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَصٍّ أَوْ دَلِيل . وَالْحَلَال مِنْهُ : مَا أَحَلَّهُ اللَّه وَرَسُوله كَذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا بَحَّرَ اللَّه بَحِيرَة , وَلَا سَيَّبَ سَائِبَة , وَلَا وَصَلَ وَصِيلَة , وَلَا حَمَى حَامِيًا , وَلَكِنَّكُمْ الَّذِينَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَيّهَا الْكَفَرَة , فَحَرَّمْتُمُوهُ اِفْتِرَاء عَلَى رَبّكُمْ . كَاَلَّذِي : 9991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثني أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , عَنْ اِبْن الْهَادِ : وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني اِبْن الْهَادِ , عَنْ اِبْن شِهَاب , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّائِبَة " . 9992 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن : " يَا أَكْثَم , رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك ! " فَقَالَ أَكْثَم : أَخْشَى أَنْ يَضُرّنِي شَبَهه يَا رَسُول اللَّه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا , إِنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر , إِنَّهُ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل ; وَبَحَّرَ الْبَحِيرَة , وَسَيَّبَ السَّائِبَة , وَحَمَى الْحَامِي " . 9993 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس , قَالَ : ثني هِشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَدْ عَرَفْت أَوَّل مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِر ; رَجُل مِنْ مُدْلِج , كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ , فَجَدَعَ آذَانهمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانهمَا وَظُهُورهمَا وَقَالَ : هَاتَانِ لِلَّهِ , ثُمَّ اِحْتَاجَ إِلَيْهِمَا فَشَرِبَ أَلْبَانهمَا وَرَكِبَ ظُهُورهمَا " قَالَ : " فَلَقَدْ رَأَيْته فِي النَّار يُؤْذِي أَهْل النَّار رِيح قُصْبه " . 9994 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّار فَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بْن فُلَان بْن فُلَان بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَهُوَ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم وَسَيَّبَ السَّائِبَة , وَأَشْبَهَ مَنْ رَأَيْت بِهِ أَكْثَم بْن الْجَوْن " . فَقَالَ أَكْثَم : يَا رَسُول اللَّه , أَيَضُرُّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : " لَا ; لِأَنَّك مُسْلِم , وَإِنَّهُ كَافِر " . 9995 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب . 9996 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب وَأَوَّل مَنْ غَيَّرَ عَهْد إِبْرَاهِيم " قَالُوا : مَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " عَمْرو بْن لُحَيّ أَخُو بَنِي كَعْب , لَقَدْ رَأَيْته يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , يُؤْذِي رِيحه أَهْل النَّار . وَإِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِر " . قَالُوا : مَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " رَجُل مِنْ بَنِي مُدْلِج كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ , فَجَدَعَ آذَانهمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانهمَا , ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانهمَا بَعْد ذَلِكَ , فَلَقَدْ رَأَيْته فِي النَّار هُوَ وَهُمَا يَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا , وَيَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا " . وَالْبَحِيرَة : الْفَعِيلَة , مِنْ قَوْل الْقَائِل : بَحَرْت أُذُن هَذِهِ النَّاقَة : إِذَا شَقَّهَا , أَبْحُرهَا بَحْرًا , وَالنَّاقَة مَبْحُورَة , ثُمَّ تُصْرَف الْمَفْعُولَة إِلَى فَعِيلَة , فَيُقَال : هِيَ بَحِيرَة . وَأَمَّا الْبَحِر مِنْ الْإِبِل : فَهُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَهُ دَاء مِنْ كَثْرَة شُرْب الْمَاء , يُقَال مِنْهُ : بَحِرَ الْبَعِير يَبْحَر بَحَرًا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : لَأَعْلِطَنَّك وَسْمًا لَا تُفَارِقهُ كَمَا يُحَزُّ بِحُمَّى الْمِيسَم الْبَحِر وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْبَحِيرَة , جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9997 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْت إِبِلك أَلَسْت تُنْتِجُهَا مُسَلَّمَة آذَانهَا , فَتَأْخُذ الْمُوسَى فَتَجْدَعُهَا تَقُول هَذِهِ بَحِيرَة , وَتَشُقّ آذَانهَا تَقُول هَذِهِ حُرُم ؟ " قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : " فَإِنَّ سَاعِد اللَّه أَشَدّ , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ , كُلّ مَالِك لَك حَلَال لَا يَحْرُم عَلَيْك مِنْهُ شَيْء " . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْأَحْوَص , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " هَلْ تُنْتَج إِبِل قَوْمك صِحَاحًا آذَانهَا فَتَعْمَد إِلَى الْمُوسَى فَتَقْطَع آذَانهَا فَتَقُول هَذِهِ بُحْرٌ , وَتَشُقّهَا أَوْ تَشُقّ جُلُودهَا فَتَقُول هَذِهِ حُرُم , فَتُحَرِّمهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلك ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنَّ مَا آتَاك اللَّه لَك حِلّ , وَسَاعِد اللَّه أَشَدّ , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ " وَرُبَّمَا قَالَ : " سَاعِد اللَّه أَشَدّ مِنْ سَاعِدك , وَمُوسَى اللَّه أَحَدّ مِنْ مُوسَاك " . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَإِنَّهَا الْمُسَيَّبَة الْمُخَلَّاة , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة يَفْعَل ذَلِكَ أَحَدهمْ بِبَعْضِ مَوَاشِيه , فَيُحَرِّم الِانْتِفَاع بِهِ عَلَى نَفْسه , كَمَا كَانَ بَعْض أَهْل الْإِسْلَام يَعْتِق عَبْده سَائِبَة فَلَا يَنْتَفِع بِهِ وَلَا بِوَلَائِهِ . وَأُخْرِجَتْ الْمُسَيَّبَة بِلَفْظِ السَّائِبَة , كَمَا قِيلَ : " عِيشَة رَاضِيَة " , بِمَعْنَى : مَرْضِيَّة . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَإِنَّ الْأُنْثَى مِنْ نَعَمهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ إِذَا أَتْأَمَتْ بَطْنًا بِذَكَرٍ وَأُنْثَى , قِيلَ : قَدْ وَصَلَتْ الْأُنْثَى أَخَاهَا , بِدَفْعِهَا عَنْهُ الذَّبْح , فَسَمَّوْهَا وَصِيلَة . وَأَمَّا الْحَامِي : فَإِنَّهُ الْفَحْل مِنْ النَّعَم يُحْمَى ظَهْره مِنْ الرُّكُوب , وَالِانْتِفَاع بِسَبَبِ تَتَابُع أَوْلَاد تَحْدُث مِنْ فِحْلَته . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَات الْمُسَمَّيَات بِهَذِهِ الْأَسْمَاء وَمَا السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله كَانَتْ تَفْعَل ذَلِكَ . ذِكْر الرِّوَايَة بِمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ : 9998 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث التَّيْمِيّ أَنَّ أَبَا صَالِح السَّمَّان , حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن الْخُزَاعِيّ : " يَا أَكْثَم رَأَيْت عُمَر بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار , فَمَا رَأَيْت مِنْ رَجُل أَشْبَه بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك ! " فَقَالَ أَكْثَم : أَيَضُرُّنِي شَبَهه يَا نَبِيّ اللَّه ؟ قَالَ : " لَا ; لِأَنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر , وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل وَنَصَبَ الْأَوْثَان , وَسَيَّبَ السَّوَائِب فِيهِمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ النَّاقَة إِذَا تَابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَة إِنَاثًا لَيْسَ فِيهَا ذَكَر سُيِّبَتْ , فَلَمْ يَرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يَجُزّ وَبَرهَا وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف . فَمَا نَتَجَتْ بَعْد ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شَقَّ أُذُنهَا ثُمَّ خَلَّى سَبِيلهَا مَعَ أُمّهَا فِي الْإِبِل , فَلَمْ يَرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يَجُزّ وَبَرهَا وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف , كَمَا فَعَلَ بِأُمِّهَا ; فَهِيَ الْبَحِيرَة اِبْنَة السَّائِبَة . وَالْوَصِيلَة : أَنَّ الشَّاة إِذَا نَتَجَتْ عَشْر إِنَاث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أَبْطُن لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَر جُعِلَتْ وَصِيلَة , قَالُوا : وَصَلَتْ , فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْد ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُون إِنَاثهمْ , إِلَّا أَنْ يَمُوت مِنْهَا شَيْء فَيَشْتَرِكُونَ فِي أَكْله ذُكُورهمْ وَإِنَاثهمْ . وَالْحَامِي : أَنَّ الْفَحْل إِذَا نَتَجَ لَهُ عَشْر إِنَاث مُتَتَابِعَات لَيْسَ بَيْنهنَّ ذَكَر حُمِيَ ظَهْره , وَلَمْ يُرْكَب , وَلَمْ يُجَزّ وَبَره , وَيُخَلَّى فِي إِبِله يَضْرِب فِيهَا , لَا يَنْتَفِع بِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } إِلَى قَوْله : { وَلَا يَهْتَدُونَ } 9999 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار ; قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق فِي هَذِهِ الْآيَة : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } - قَالَ أَبُو جَعْفَر : سَقَطَ عَلَيَّ فِيمَا أَظُنّ كَلَام مِنْهُ - قَالَ : فَأَتَيْت عَلْقَمَة فَسَأَلْته , فَقَالَ : مَا تُرِيد إِلَى شَيْء كَانَتْ تَصْنَعهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة . 10000 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , قَالَ : أَتَيْت عَلْقَمَة , فَسَأَلْته عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } فَقَالَ : وَمَا تَصْنَع بِهَذَا ؟ إِنَّمَا هَذَا شَيْء مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة ! قَالَ : فَأَتَيْت مَسْرُوقًا , فَسَأَلْته , فَقَالَ : الْبَحِيرَة : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا وَلَدَتْ بَطْنًا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا , شَقُّوا أُذُنهَا وَقَالُوا : هَذِهِ بَحِيرَة . قَالَ : { وَلَا سَائِبَة } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَأْخُذ بَعْض مَاله , فَيَقُول : هَذِهِ سَائِبَة . قَالَ : { وَلَا وَصِيلَة } قَالَ : كَانُوا إِذَا وَلَدَتْ النَّاقَة الذَّكَر أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الْإِنَاث , وَإِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْن قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا , فَلَا يَأْكُلُونَهُمَا ; قَالَ : فَإِذَا مَاتَ الذَّكَر , أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الْإِنَاث . قَالَ : وَلَا حَامٍ , قَالَ : كَانَ الْبَعِير إِذَا وَلَدَ وَوَلَدَ وَلَده , قَالُوا : قَدْ قَضَى هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ , فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِظَهْرِهِ , قَالُوا : هَذَا حَامٍ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح , قَالَ : سَأَلْت عَلْقَمَة , عَنْ قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } قَالَ : مَا تَصْنَع بِهَذَا ؟ هَذَا شَيْء كَانَ يَفْعَلهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة . 10001 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان وَيَحْيَى بْن آدَم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } قَالَ : الْبَحِيرَة : الَّتِي قَدْ وَلَّتْ خَمْسَة أَبْطُن ثُمَّ تُرِكَتْ . 10002 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } قَالَ : الْبَحِيرَة : الْمُخَضْرَمَة . { وَلَا سَائِبَة } وَالسَّائِبَة : مَا سُيِّبَ لِلْهَدْيِ . وَالْوَصِيلَة : إِذَا وَلَدَتْ بَعْد أَرْبَعَة أَبْطُن - فِيمَا يَرَى جَرِير - ثُمَّ وَلَدَتْ الْخَامِس ذَكَرًا وَأُنْثَى وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَالْحَام : الَّذِي قَدْ ضَرَبَ أَوْلَاد أَوْلَاده فِي الْإِبِل . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَالْوَصِيلَة : الَّتِي وَلَدَتْ بَعْد أَرْبَعَة أَبْطُن ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث اِبْن حُمَيْد . 10003 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا إِسْحَاق الْأَزْرَق , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ الشَّعْبِيّ , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَحِيرَة , فَقَالَ : هِيَ الَّتِي تُجْدَع آذَانهَا . وَسُئِلَ عَنْ السَّائِبَة , فَقَالَ : كَانُوا يُهْدُونَ لِآلِهَتِهِمْ الْإِبِل وَالْغَنَم فَيَتْرُكُونَهَا عِنْد آلِهَتهمْ لِتُذْبَح , فَتُخْلَط بِغَنَمِ النَّاس , فَلَا يَشْرَب أَلْبَانهَا إِلَّا الرِّجَال , فَإِذَا مَاتَ مِنْهَا شَيْء أَكَلَهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا . 10004 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة } وَمَا مَعَهَا : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل , يُحَرِّم أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَبَرهَا وَظَهْرهَا وَلَحْمهَا وَلَبَنهَا إِلَّا عَلَى الرِّجَال , فَمَا وَلَدَتْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى فَهُوَ عَلَى هَيْئَتهَا , وَإِنْ مَاتَتْ اِشْتَرَكَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أَكْل لَحْمهَا , فَإِذَا ضَرَبَ الْجَمَل مِنْ وَلَد الْبَحِيرَة فَهُوَ الْحَامِي ; وَالسَّائِبَة مِنْ الْغَنَم عَلَى نَحْو ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا مَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَد بَيْنهَا وَبَيْن سِتَّة أَوْلَاد كَانَ عَلَى هَيْئَتهَا , فَإِذَا وَلَدَتْ فِي السَّابِع ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرَيْنِ , ذَبَحُوهُ فَأَكَلَهُ رِجَالهمْ دُون نِسَائِهِمْ ; وَإِنْ تَوْأَمَتْ أُنْثَى وَذَكَرًا فَهِيَ وَصِيلَة , تُرِكَ ذَبْح الذَّكَر بِالْأُنْثَى , وَإِنْ كَانَتَا أُنْثَيَيْنِ تُرِكَتَا . 10005 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } فَالْبَحِيرَة : النَّاقَة , كَانَ الرَّجُل إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَة أَبْطُن , فَيَعْمِد إِلَى الْخَامِسَة , فَمَا لَمْ يَكُنْ سَقْبًا , فَيُبَتِّك آذَانهَا , وَلَا يَجُزّ لَهَا وَبَرًا , وَلَا يَذُوق لَهَا لَبَنًا , فَتِلْكَ الْبَحِيرَة . { وَلَا سَائِبَة } كَانَ الرَّجُل يُسَيِّب مِنْ مَاله مَا شَاءَ . { وَلَا وَصِيلَة } فَهِيَ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ سَبْعًا , عَمَدَ إِلَى السَّابِع , فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذُبِحَ , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ , وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنهَا اِثْنَانِ ذَكَر وَأُنْثَى فَوَلَدَتْهُمَا , قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا , فَيُتْرَكَانِ جَمِيعًا لَا يُذْبَحَانِ , فَتِلْكَ الْوَصِيلَة . وَقَوْله : { وَلَا حَامٍ } كَانَ الرَّجُل يَكُون لَهُ الْفَحْل فَإِذَا لَقَّحَ عَشْرًا قِيلَ : حَامٍ , فَاتْرُكُوهُ ! . 10006 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } لِيُسَيِّبُوهَا لِأَصْنَامِهِمْ . { وَلَا وَصِيلَة } يَقُول : الشَّاة . { وَلَا حَامٍ } يَقُول : الْفَحْل مِنْ الْإِبِل . 10007 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } تَشْدِيد شَدَّدَهُ الشَّيْطَان عَلَى أَهْل الْجَاهِلِيَّة فِي أَمْوَالهمْ , وَتَغْلِيظ عَلَيْهِمْ , فَكَانَتْ الْبَحِيرَة مِثْل الْإِبِل إِذَا نَتَجَ الرَّجُل خَمْسًا مِنْ إِبِله نَظَرَ الْبَطْن الْخَامِس , فَإِنْ كَانَتْ سَقْبًا ذُبِحَ فَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَ مَيْتَة اِشْتَرَكَ فِيهِ ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا وَهِيَ الْأُنْثَى تُرِكَتْ فَبُتِكَتْ أُذُنهَا , فَلَمْ يُجَزّ لَهَا وَبَر وَلَمْ يُشْرَب لَهَا لَبَن وَلَمْ يُرْكَب لَهَا ظَهْر وَلَمْ يُذْكَر لِلَّهِ عَلَيْهَا اِسْم . وَكَانَتْ السَّائِبَة : يُسَيِّبُونَ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ أَمْوَالهمْ , فَلَا تَمْتَنِع مِنْ حَوْض أَنْ تَشْرَع فِيهِ وَلَا مِنْ حِمًى أَنْ تَرْتَع فِيهِ . وَكَانَتْ الْوَصِيلَة مِنْ الشَّاء : مِنْ الْبَطْن السَّابِع , إِذَا كَانَ جَدْيًا ذُبِحَ فَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَ مَيْتَة اِشْتَرَكَ فِيهِ ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , وَإِنْ جَاءَتْ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى قِيلَ وَصَلَتْ أَخَاهَا فَمَنَعَتْهُ الذَّبْح . وَالْحَام : كَانَ الْفَحْل إِذَا رُكِبَ مِنْ بَنِي بَنِيهِ عَشَرَة أَوْ وَلَد وَلَده , قِيلَ حَامٍ , حَمَى ظَهْره , فَلَمْ يُزَمَّ وَلَمْ يُخْطَم وَلَمْ يُرْكَب . 10008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } فَالْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَة أَبْطُن , إِنْ كَانَ الْخَامِس سَقْبًا ذَبَحُوهُ فَأَهْدَوْهُ إِلَى آلِهَتهمْ وَكَانَتْ أُمّه مِنْ عَرْض الْإِبِل , وَإِنْ كَانَتْ رُبَعَة اِسْتَحْيَوْهَا , وَشَقُّوا أُذُن أُمّهَا , وَجَزُّوا وَبَرهَا , وَخَلَّوْهَا فِي الْبَطْحَاء , فَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ فِي دِيَة , وَلَمْ يَحْلُبُوا لَهَا لَبَنًا , وَلَمْ يَجُزُّوا لَهَا وَبَرًا , وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَى ظَهْرهَا , وَهِيَ مِنْ الْأَنْعَام الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورهَا . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَهُوَ الرَّجُل يُسَيِّب مِنْ مَاله مَا شَاءَ عَلَى وَجْه الشُّكْر إِنْ كَثُرَ مَاله , أَوْ بَرَأَ مِنْ وَجَع , أَوْ رَكِبَ نَاقَة فَأَنْجَحَ , فَإِنَّهُ يُسَمِّي السَّائِبَة يُرْسِلهَا فَلَا يَعْرِض لَهَا أَحَد مِنْ الْعَرَب إِلَّا أَصَابَتْهُ عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَمِنْ الْغَنَم , هِيَ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ ثَلَاثَة أَبْطُن أَوْ خَمْسَة , فَكَانَ آخِر ذَلِكَ جَدْيًا ذَبَحُوهُ وَأَهْدَوْهُ لِبَيْتِ الْآلِهَة , وَإِنْ كَانَتْ عَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهَا , وَإِنْ كَانَتْ جَدْيًا وَعَنَاقًا اِسْتَحْيَوْا الْجَدْي مِنْ أَجْل الْعَنَاق , فَإِنَّهَا وَصِيلَة وَصَلَتْ أَخَاهَا . وَأَمَّا الْحَام : فَالْفَحْل يَضْرِب فِي الْإِبِل عَشْر سِنِينَ , وَيُقَال : إِذَا ضَرَبَ وَلَد وَلَدِهِ قِيلَ : قَدْ حَمَى ظَهْره , فَيَتْرُكُونَهُ لَا يُمَسّ , وَلَا يُنْحَر أَبَدًا , وَلَا يُمْنَع مِنْ كَلَإٍ يُرِيدهُ , وَهُوَ مِنْ الْأَنْعَام الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورهَا . 10009 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب , فِي قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } قَالَ : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل الَّتِي يَمْنَع دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ . وَالسَّائِبَة مِنْ الْإِبِل : كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ . وَالْوَصِيلَة مِنْ الْإِبِل كَانَتْ النَّاقَة تُبَكِّر بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بِأُنْثَى , فَيُسَمُّونَهَا الْوَصِيلَة , يَقُولُونَ : وَصَلَتْ اِثْنَتَيْنِ لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر , فَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ , أَوْ يَذْبَحُونَهَا , الشَّكّ مِنْ أَبِي جَعْفَر . وَالْحَام : الْفَحْل مِنْ الْإِبِل , كَانَ يَضْرِب . الضِّرَاب الْمَعْدُود , فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ , قَالُوا : هَذَا حَامٍ , قَدْ حَمَى ظَهْره فَتُرِكَ , فَسَمَّوْهُ الْحَام . قَالَ مَعْمَر , قَالَ قَتَادَة : إِذَا ضَرَبَ عَشَرَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل : كَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَة أَبْطُن , فَإِنْ كَانَ الْخَامِس ذَكَرًا كَانَ لِلرِّجَالِ دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى بَتَكُوا آذَانهَا , ثُمَّ أَرْسَلُوهَا , فَلَمْ يَنْحَرُوا لَهَا وَلَدًا , وَلَمْ يَشْرَبُوا لَهَا لَبَنًا , وَلَمْ يَرْكَبُوا لَهَا ظَهْرًا . وَأَمَّا السَّائِبَة , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَيِّبُونَ بَعْض إِبِلهمْ , فَلَا تُمْنَع حَوْضًا أَنْ تَشْرَع فِيهِ , وَلَا مَرْعًى أَنْ تَرْتَع فِيهِ . وَالْوَصِيلَة : الشَّاة : كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة أَبْطُن , فَإِنْ كَانَ السَّابِع ذَكَرًا ذُبِحَ وَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ . 10010 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سَلْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } أَمَّا الْبَحِيرَة : فَكَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجُوهَا خَمْسَة أَبْطُن نَحَرُوا الْخَامِس إِنْ كَانَ سَقْبًا , وَإِنْ كَانَ رُبَعَة شَقُّوا أُذُنهَا وَاسْتَحْيَوْهَا , وَهِيَ بَحِيرَة . وَأَمَّا السَّقْب فَلَا يَأْكُل نِسَاؤُهُمْ مِنْهُ , وَهُوَ خَالِص لِرِجَالِهِمْ , فَإِنْ مَاتَتْ النَّاقَة أَوْ نَتَجُوهَا مَيِّتًا فَرِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِيهِ سَوَاء يَأْكُلُونَ مِنْهُ . وَأَمَّا السَّائِبَة : فَكَانَ يُسَيِّب الرَّجُل مِنْ مَاله مِنْ الْأَنْعَام , فَيُهْمَل فِي الْحِمَى فَلَا يُنْتَفَع بِظَهْرِهِ وَلَا بِوَلَدِهِ , وَلَا بِلَبَنِهِ , وَلَا بِشَعْرِهِ , وَلَا بِصُوفِهِ . وَأَمَّا الْوَصِيلَة , فَكَانَتْ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة أَبْطُن ذَبَحُوا السَّابِع إِذَا كَانَ جَدْيًا , وَإِنْ كَانَ عَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهُ , وَإِنْ كَانَ جَدْيًا وَعَنَاقًا اِسْتَحْيَوْهُمَا كِلَيْهِمَا , وَقَالُوا : إِنَّ الْجَدْي وَصَلَتْهُ أُخْته , فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا . وَأَمَّا الْحَامِي : فَالْفَحْل إِذَا رَكِبُوا أَوْلَاد وَلَده , قَالُوا : قَدْ حَمَى هَذَا ظَهْره , وَأُحْرِزَ أَوْلَاد وَلَده , فَلَا يَرْكَبُونَهُ , وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ حِمَى شَجَر , وَلَا حَوْض مَا شَرَعَ فِيهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَوْض لِصَاحِبِهِ , وَكَانَتْ مِنْ إِبِلهمْ طَائِفَة لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا فِي شَيْء مِنْ شَأْنهمْ , لَا إِنْ رَكِبُوا , وَلَا إِنْ حَمَلُوا , وَلَا إِنْ حَلَبُوا , وَلَا إِنْ نَتَجُوا , وَلَا إِنْ بَاعُوا , فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة } إِلَى قَوْله : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } . 10011 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ } قَالَ : هَذَا شَيْء كَانَتْ تَعْمَل بِهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , وَقَدْ ذَهَبَ . قَالَ : الْبَحِيرَة : كَانَ الرَّجُل يَجْدَع أُذُنَيْ نَاقَته ثُمَّ يُعْتِقهَا , كَمَا يُعْتِق جَارِيَته وَغُلَامه , لَا تُحْلَب , وَلَا تُرْكَب . وَالسَّائِبَة : يُسَيِّبهَا بِغَيْرِ تَجْدِيع . وَالْحَام : إِذَا نَتَجَ لَهُ سَبْع إِنَاث مُتَوَالِيَات , قَدْ حُمِيَ ظَهْره , وَلَا يُرْكَب , وَلَا يُعْمَل عَلَيْهِ . وَالْوَصِيلَة مِنْ الْغَنَم : إِذَا وَلَدَتْ سَبْع إِنَاث مُتَوَالِيَات حَمَتْ لَحْمهَا أَنْ يُؤْكَل . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا اللَّيْث بْن سَعْد , قَالَ : ثني اِبْن الْهَادِ , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : السَّائِبَة : الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّب فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء . وَالْبَحِيرَة : الَّتِي يُمْنَع دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد . وَالْوَصِيلَة : النَّاقَة الْبِكْر تُبَكِّر أَوَّل نِتَاج الْإِبِل بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بَعْد بِأُنْثَى , وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا لِلطَّوَاغِيتِ , يَدْعُونَهَا الْوَصِيلَة , إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى . وَالْحَامِي : فَحْل الْإِبِل يَضْرِب الْعَشْر مِنْ الْإِبِل , فَإِذَا نَقَصَ ضِرَابه يَدَعُونَهُ لِلطَّوَاغِيتِ , وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْل , فَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ شَيْئًا , وَسَمَّوْهُ الْحَامِي . وَهَذِهِ أُمُور كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَبْطَلَهَا الْإِسْلَام , فَلَا نَعْرِف قَوْمًا يَعْمَلُونَ بِهَا الْيَوْم . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْمَل بِهِ لَا يُوصَل إِلَى عِلْمه - إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَام الْيَوْم أَثَر , وَلَا فِي الشِّرْك نَعْرِفهُ - إِلَّا بِخَبَرٍ , وَكَانَتْ الْأَخْبَار عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَلِفَة الِاخْتِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا ; فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : أَمَّا مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاء , فَمَا بَيَّنَّا فِي اِبْتِدَاء الْقَوْل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة . وَأَمَّا كَيْفَِيَّة عَمَل الْقَوْم فِي ذَلِكَ , فَمَا لَا عِلْم لَنَا بِهِ . وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَخْبَار بِوَصْفِ عَمَلهمْ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ حَكَيْنَا , وَغَيْر ضَائِر الْجَهْل بِذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُرَاد مِنْ عِلْمه الْمُحْتَاج إِلَيْهِ , مُوَصِّلًا إِلَى حَقِيقَته , وَهُوَ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُحَرِّمِينَ مِنْ أَنْعَامهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ مَا لَمْ يُحَرِّمهُ اللَّه اِتِّبَاعًا مِنْهُمْ خُطُوَات الشَّيْطَان , فَوَبَّخَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنْ كُلّ ذَلِكَ حَلَال , فَالْحَرَام مِنْ كُلّ شَيْء عِنْدنَا , مَا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَصٍّ أَوْ دَلِيل . وَالْحَلَال مِنْهُ : مَا أَحَلَّهُ اللَّه وَرَسُوله كَذَلِكَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : الْمَعْنِيّ بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا : الْيَهُود , وَبِاَلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ : أَهْل الْأَوْثَان ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10012 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب } قَالَ : أَهْل الْكِتَاب . { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } قَالَ : أَهْل الْأَوْثَان . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ أَهْل مِلَّة وَاحِدَة , وَلَكِنَّ " الْمُفْتَرِينَ " الْمَتْبُوعُونَ , وَ " الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ " : الْأَتْبَاع ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10013 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا خَارِجَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } هُمْ الْأَتْبَاع . وَأَمَّا " الَّذِينَ اِفْتَرَوْا " , يَعْقِلُونَ أَنَّهُمْ اِفْتَرَوْا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب } الَّذِينَ بَحَّرُوا الْبَحَائِر , وَسَيَّبُوا السَّوَائِب , وَوَصَلُوا الْوَصَائِل , وَحَمُوا الْحَوَامِي ; مِثْل عَمْرو بْن لُحَيّ وَأَشْكَاله , مِمَّنْ سَنُّوا لِأَهْلِ الشِّرْك السُّنَن الرَّدِيئَة وَغَيَّرُوا دِين اللَّه دِين الْحَقّ وَأَضَافُوا إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ مَا حَرَّمُوا وَأَحَلَّ مَا أَحَلُّوا , اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ , وَاخْتِلَاقًا عَلَيْهِ الْإِفْك وَهُمْ يَعْمَهُونَ . فَكَذَّبَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي قِيلهمْ ذَلِكَ , وَإِضَافَتهمْ إِلَيْهِ مَا أَضَافُوا مِنْ تَحْلِيل مَا أَحَلُّوا وَتَحْرِيم مَا حَرَّمُوا , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : مَا جَعَلْت مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة , وَلَكِنَّ الْكُفَّار هُمْ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب . وَأَنْ يُقَال : إِنَّ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } هُمْ أَتْبَاع مَنْ سَنَّ لَهُمْ هَذِهِ السُّنَن مِنْ جَهَلَة الْمُشْرِكِينَ , فَهُمْ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَكْثَر مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ سَنُّوا ذَلِكَ ; فَوَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَ أَنَّ الَّذِينَ سَنُّوا لَهُمْ تِلْكَ السُّنَن , وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا مِنْ عِنْد اللَّه كَذَبَة فِي إِخْبَارهمْ أَفْكَة , بَلْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ مُحِقُّونَ فِي إِخْبَارهمْ صَادِقُونَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيم الَّذِي حَرَّمَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى كَذِب وَبَاطِل . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ نَظِير قَوْل الشَّعْبِيّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِاَلَّذِين كَفَرُوا : أَهْل الْكِتَاب , وَذَلِكَ أَنَّ النَّكِير فِي اِبْتِدَاء الْآيَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب , فَالْخَتْم بِهِمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرهمْ , إِذْ لَمْ يَكُنْ عَرَضَ فِي الْكَلَام مَا يُصْرَف مِنْ أَجْله عَنْهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ يَقُول قَتَادَة . 10014 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول : لَا يَعْقِلُونَ تَحْرِيم الشَّيْطَان الَّذِي يُحَرِّم عَلَيْهِمْ , إِنَّمَا كَانَ مِنْ الشَّيْطَان وَلَا يَعْقِلُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : الْمَعْنِيّ بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا : الْيَهُود , وَبِاَلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ : أَهْل الْأَوْثَان ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10012 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب } قَالَ : أَهْل الْكِتَاب . { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } قَالَ : أَهْل الْأَوْثَان . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ أَهْل مِلَّة وَاحِدَة , وَلَكِنَّ " الْمُفْتَرِينَ " الْمَتْبُوعُونَ , وَ " الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ " : الْأَتْبَاع ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10013 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا خَارِجَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } هُمْ الْأَتْبَاع . وَأَمَّا " الَّذِينَ اِفْتَرَوْا " , يَعْقِلُونَ أَنَّهُمْ اِفْتَرَوْا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب } الَّذِينَ بَحَّرُوا الْبَحَائِر , وَسَيَّبُوا السَّوَائِب , وَوَصَلُوا الْوَصَائِل , وَحَمُوا الْحَوَامِي ; مِثْل عَمْرو بْن لُحَيّ وَأَشْكَاله , مِمَّنْ سَنُّوا لِأَهْلِ الشِّرْك السُّنَن الرَّدِيئَة وَغَيَّرُوا دِين اللَّه دِين الْحَقّ وَأَضَافُوا إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ مَا حَرَّمُوا وَأَحَلَّ مَا أَحَلُّوا , اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ , وَاخْتِلَاقًا عَلَيْهِ الْإِفْك وَهُمْ يَعْمَهُونَ . فَكَذَّبَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي قِيلهمْ ذَلِكَ , وَإِضَافَتهمْ إِلَيْهِ مَا أَضَافُوا مِنْ تَحْلِيل مَا أَحَلُّوا وَتَحْرِيم مَا حَرَّمُوا , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : مَا جَعَلْت مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة , وَلَكِنَّ الْكُفَّار هُمْ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب . وَأَنْ يُقَال : إِنَّ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } هُمْ أَتْبَاع مَنْ سَنَّ لَهُمْ هَذِهِ السُّنَن مِنْ جَهَلَة الْمُشْرِكِينَ , فَهُمْ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَكْثَر مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ سَنُّوا ذَلِكَ ; فَوَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَ أَنَّ الَّذِينَ سَنُّوا لَهُمْ تِلْكَ السُّنَن , وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا مِنْ عِنْد اللَّه كَذَبَة فِي إِخْبَارهمْ أَفْكَة , بَلْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ مُحِقُّونَ فِي إِخْبَارهمْ صَادِقُونَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيم الَّذِي حَرَّمَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى كَذِب وَبَاطِل . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ نَظِير قَوْل الشَّعْبِيّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِاَلَّذِين كَفَرُوا : أَهْل الْكِتَاب , وَذَلِكَ أَنَّ النَّكِير فِي اِبْتِدَاء الْآيَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب , فَالْخَتْم بِهِمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرهمْ , إِذْ لَمْ يَكُنْ عَرَضَ فِي الْكَلَام مَا يُصْرَف مِنْ أَجْله عَنْهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ يَقُول قَتَادَة . 10014 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول : لَا يَعْقِلُونَ تَحْرِيم الشَّيْطَان الَّذِي يُحَرِّم عَلَيْهِمْ , إِنَّمَا كَانَ مِنْ الشَّيْطَان وَلَا يَعْقِلُونَ . '

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { ما جعل الله} جعل هنا بمعنى سمى، كما قال تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف : 3] أي سميناه. والمعنى في هذه الآية ما سمى الله، ولا سن ذلك حكما، ولا تعبد به شرعا، بيد أنه قضى به علما، وأوجده بقدرته وإرادته خلقا؛ فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضر، وطاعة ومعصية. الثانية: قوله تعالى { من بحيرة ولا سائبة} { من} زائدة. والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي على وزن النطيحة والذبيحة. وفي الصحيح عن سعيد بن المسيب : البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس. وأما السائبة فهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم. وقيل : البحيرة لغة هي الناقة المشقوقة الأذن؛ يقال بحرت أذن الناقة أي شققتها شقا واسعا، والناقة بحيرة ومبحورة، وكان البحر علامة التخلية. قال ابن سيده : يقال البحيرة هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. قال ابن إسحاق : البحيرة هي ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، وخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها؛ فهي البحيرة ابنة السائبة. وقال الشافعي : إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت؛ قال : محرمة لا يطعم الناس لحمها ** ولا نحن في شيء كذاك البحائر وقال ابن عزيز البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها أي شقوه وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها وقاله عكرمة فإذا ماتت حلت للنساء. والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض، أو بلغه منزله أن يفعل ذلك، فلا تجس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد؛ وقال به أبو عبيد؛ قال الشاعر : وسائبة لله تنمي تشكرا ** إن الله عافى عامرا أو مجاشعا وقد يسيبون غير الناقة، وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء. وقيل : السائبة هي المخلاة لا قيد عليها، ولا راعي لها؛ فاعل بمعنى مفعول، نحو { عيشة راضية} أي مرضية. من سابت الحية وانسابت؛ قال الشاعر : عقرتم ناقة كانت لربي ** وسائبة فقوموا للعقاب وأما الوصيلة والحام؛ فقال ابن وهب، قال مالك : كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يسيبونها؛ فأما الحام فمن الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه؛ وأما الوصيلة فمن الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها. وقال ابن عزيز : الوصيلة في الغنم؛ قال : كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا؛ فإن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تذبح لمكانها، وكان لحمها حراما على النساء، ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء. والحامي الفحل إذا ركب ولد ولده. قال : حماها أبو قابوس في عز ملكه ** كما قد حمى أولاد أولاده الفحل ويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهر فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء. وقال ابن إسحاق : الوصيلة الشاة إذا أتمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا : وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم. الثالثة: روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب) وفي رواية (عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار). وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون : (رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك) فقال أكثم : أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؛ قال : (لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أول من غير دين إسماعيل وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي) وفي رواية : (رأيته رجلا قصيرا أشعر له وفرة يجر قصبه في النار). وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنه يؤذي أهله النار بريحه). مرسل ذكره ابن العربي وقيل : إن أول من ابتدع ذلك جنادة بن عوف. والله أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق : أن سبب نصب الأوثان، وتغيير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق ويقال عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا : هذه أصنام نستمطر بها فنمطر، ونستنصر بها فننصر؛ فقال لهم : أفلا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدنه؟ فأعطوه صنما يقال له : (هبل) فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه؛ فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه { ما جعل الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} . { ولكن الذين كفروا} يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب { يفترون على الله الكذب} بقولهم : إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله، وطاعة الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله. وقالوا { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} [الأنعام : 139] يعني من الولد والألبان { ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة} [الأنعام : 139] يعني إن وضعته ميتا اشترك فيه الرجال والنساء؛ فذلك قوله عز وجل { فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم} [الأنعام : 139] أي بكذبهم العذاب في الآخرة { إنه حكيم عليم} [الأنعام : 139] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس : 59] وأنزل عليه { ثمانية أزواج} [الأنعام : 143] وأنزله عليه { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه} [الأنعام : 138]. الرابعة: تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس ورده الأوقاف؛ بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعله من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة والفرق بيّنٌ. ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال : هذه تكون حبسا، لا يجتنى ثمرها، ولا تزرع أرضها، ولا ينتفع منها بنفع، لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء : ما تريد إلى شيء كان من عمل أهله الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوه ابن زيد. وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر؛ وهو قول شريح أن أبا يوسف رجع عن قول أبى حنيفة في ذلك لما حدثه ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (احبس الأصل وسبل الثمرة). وبه يحتج كل من أجاز الأحباس؛ وهو حديث صحيح قاله أبو عمر. وأيضا فإن المسألة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروي أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد : إن الحبس لا يجوز؛ فقال له مالك : هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه. وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم في قطع طريق الانتفاع وإذهاب نعمة الله تعالى وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل. وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف. ومما احتج به أبو حنيفة وزفر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال : سألت شريحا عن رجل جعل داره حبسا على الآخر من ولده فقال : لا حبس عن فرائض الله؛ قالوا : فهذا شريح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك. واحتج أيضا بما رواه ابن لهيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة [النساء] وأنزل الله فيها الفرائض : ينهى عن الحبس. قال الطبري : الصدقة التي يمضيها المتصدق في حياته على ما أذن الله به على لسان نبيه وعمل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله؛ ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق؛ وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره، وأخوه غير معروف فلا حجة فيه؛ قال ابن القصار. فإن قيل : كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قال الطحاوي يقال لهم : وما ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدا للمسلمين، ويخلي بينهم وبينها، وقد خرجت بذلك من ملك إلى غير مالك، ولكن إلى الله تعالى؛ وكذلك السقايات والجسور والقناطر، فما ألزمت مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله. والله أعلم. الخامسة: اختلف المجيزون للحبس فيما للمحبس من التصرف؛ فقال الشافعي : ويحرم على الموقف ملكه كما يحرم عليه ملك رقبة العبد، إلا أنه جائز له أن يتولى صدقته، وتكون بيده ليفرقها ويسلبها فيما أخرجها فيه؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يزل يلي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله عز وجل قال : وكذلك علي وفاطمة رضي الله عنهما كانا يليان صدقاتهما؛ وبه قال أبو يوسف وقال مالك : من حبس أرضا أو نخلا أو دارا على المساكين وكانت بيده يقوم بها ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه، أنه ليس بحبس ما لم يجزه غيره وهو ميراث؛ والربع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها، ولا يتم حوزها، حتى يتولاه غير من حبسه، بخلاف الخيل والسلاح، هذا محصل مذهبه عند جماعة أصحابه؛ وبه قال ابن أبي ليلى. السادسة: لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الانتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو أن يفتقر المحبس، أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. ذكر ابن حبيب عن مالك قال : من حبس أصلا تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا كانوا يوم حبس أغنياء أو فقراء غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس ولكن يبقى منه سهم للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس؛ ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على سبيل المسكنة، وليس على حق لهم دون المساكين. السابعة: عتق السائبة جائز؛ وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي العتق، أو يقول : أعتقتك سائبة؛ فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ولاءه لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ؛ هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبدالحكم وأشهب وغيرهم، وبه قال ابن وهب؛ وروى ابن وهب عن مالك قال : لا يعتق أحد سائبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته؛ قال ابن عبدالبر : وهذا عند كل من ذهب مذهبه، إنما هو محمول على كراهة عتق السائبة لا غير؛ فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب أيضا وابن القاسم عن مالك أنه قال : أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه؛ فإن وقع نفذ وكان ميراثا لجماعة المسلمين، وعقله عليهم. وقال أصبغ : لا بأس بعتق السائبة ابتداء؛ ذهب إلى المشهور من مذهب مالك؛ وله احتج إسماعيل القاضي ابن إسحاق وإياه تقلد. ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض بالمدينة لا ينكره عالم، وأن عبدالله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا سائبة. وروي ابن شهاب وربيعة وأبي الزناد وهو قول عمر بن عبدالعزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم. قلت : أبو العالية الرياحي البصري التميمي رضى الله عنه ممن أعتق سائبة؛ أعتقته مولاة له من بني رياح سائبة لوجه الله تعالى، وطافت به على حلق المسجد، واسمه رفيع بن مهران، وقال ابن نافع : لا سائبة اليوم في الإسلام، ومن أعتق سائبة كان ولاؤه له؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن الماجشون، ومال إليه ابن العربي؛ واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : (من أعتق سائبة فولاؤه له) وبقوله : (إنما الولاء لمن أعتق). فنفى أن يكون الولاء لغير معتق، واحتجوا بقوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} وبالحديث (لا سائبة في الإسلام) وبما رواه أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل قال : قال رجل لعبدالله : إني أعتقت غلاما لي سائبة فماذا ترى فيه؟ فقال عبدالله : إن أهل الإسلام لا يسيبون، إنما كانت تسيب الجاهلية؛ أنت وارثه وولي نعمته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 97 - 103


سورة المائدة الايات 103 - 106

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل الله فيها بهيمة الأنعام، وحرّم منها ما حرّم. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يستبقي حياته من قوت، وما يستبقي نوعه بالتزاوج. وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد أعدّ له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السلام، أعدّ سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء، ومما ذخر وخَبّأ وأوجد في الأرض من أقوات لا تنتهي إلى يوم القيامة.

ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم بين " الخلق " ، وبين " الجَعْل ". فالخلق شيء، والجعل شيء آخر. والخلق هو إيجاد من عدم. والجَعْل هو توجيه مخلوق لله إلى مهمته في الحياة. فخلق الله لا يخلقون شيئاً، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه. وعلينا - نحن الخلق - أن نخصص كل شيء لمهمته في حياته التي أرادها الله، أي أن نترك " الجعل " لله و لا نتدخل فيه، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير - على سبيل المثال - ليأكل من القاذورات وليحمي الإنسان من أمراض وأضرار كثيرة، وعلى الإنسان - إذن - أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوّله إلى غير مهمته كأن يأكله مثلا؛ لأن تحويل مهمة مخلوق لله إلى غير مهمته هو أمر يضر بالإنسان الذي أراده الله سيداً مستخلفاً في الكون.

وأبلغ سبحانه الناس أنه قد أحل أشياء وحرّم أشياء، وعلى الإنسان أن يرضخ لما حلله الله فيقبل عليه، وأن يرضخ بالابتعاد عما حرّم الله. والخالق سبحانه وتعالى هو الذي " خلق " وهو الذي " جعل " وهو القائل:
{  جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ }
[المائدة: 97].

وهو القائل:
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }
[الأنعام: 1].

والحق سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نجعل له أنداداً:
{  يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
[البقرة: 21-22].

فسبحانه وتعالى موجود وواحد أحد، فلا يصح أن تجعلوا له أنداداً؛ لأن ذلك عبث. ويثبت لنا سبحانه أن قضية الفساد في الأرض تنشأ من تعدي الناس إلى الجعل المخلوق لله فيحولونه إلى غير ما خلقه الله له.

والخَلْقُ في حياتهم اليومية يحرصون على أن يستخدموا الأشياء فيما هي مخصصة له. ومثال ذلك: أنت تستقبل من صانع الجبن قالباً من جبن. وتستقبل من صانع الصابون قالباً من الصابون، ثم تجيء بالجبن والصابون إلى المنزل، فتخبر أهل البيت بأن الجبن للأكل والصابون للغسيل، ويطيع الجميع هذه التوجيهات.لكن إن استخدم أحد الصابون للأكل والجبن للغسيل يحدث إفساد في صحة أفراد الأسرة. وكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى لنا أبناء من أصلابنا، فكيف نأخذ أبناء من غير أصلابنا لنجعلهم أبناء لنا؟ إن هذا خطأ في الجَعْل.

ولذلك قال الحق:
{  وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ }
[الأحزاب: 4].

إن الدعيّ هو في حقيقة أمره من غير صلبك، وزوجتك ليست أمّاً له، فكيف تجعله ابناً لك، وتمكنه من أن يجلس في حجر امرأة غير أمه ويشب على ذلك وينظر إلى غير محارمه على أن ذلك حلال ومباح له، إنه بذلك يفقد التمييز بين الحلال والحرام؛ لذلك فالتبني إفساد في الجعل.

إن كل فساد ينشأ في الكون حينما نجعل مخلوقاً لله في مهمة غير تلك التي جعلها الله له. والحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيته، وما يحفظ نوعه، فعلينا أن نتبع ما يأمر به الحق من اتباع ما هو حلال، والابتعاد عما هو حرام. وإن قال قائل: ولماذا حرّم الله بعض الأشياء التي خلقها؟ ونقول: إن الذي خلقها جعلها لمهمة غير التي يريد الإنسان أن يوجهها له، ومثال ذلك تحريم أكل لحم الخنزير.

والإنسان منا إذا ما رأى صورة من معيشة الحيوانات في الغابة. يتعجب، ففضلات حيوان هي غذاء لحيوان آخر. وسم الثعبان هو حماية وعلاج. ونعرف أن الإنسان يستخلص سم الثعبان ليستخرج منه علاجاً لبعض الأمراض ولقتل بعض الجراثيم.

ولذلك يقول الحق سبحانه:
{  قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ }
[يونس: 59].

كيف إذن نجعل من أنفسنا مشرعين نحلل الحرام ونحرم الحلال؟ إن الله الذي خلق كل شيء لم يمنحنا الإذن بذلك. وعلينا أن نسلم بأن كل شيء مخلوق لمهمة فلا يصح أن نوجه شيئا إلى غير مهمته. وتوجيه أشياء إلى غير ما جعلت له أنتج آثاراً ضارة، ومثال ذلك استخدامنا لمبيدات الحشرات في الحقول، تلك المبيدات أبادت الضار في نظرنا، وأبادت النافع أيضاً. وعلى الإنسان - إذن - أن ينتبه جيداً فلا يساوي بين الحرام والحلال، وأن ينتبه تماماً فلا يتعدى الجعل المخلوق لله. يقول سبحانه: { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [المائدة: 103].

والبحيرة هي الناقة التي تُشق أذنها كعلامة على أنها محرّمة فلا يتعرض لها أحد، ولا تُرد عن مرعى، ولا تُرد عن ماء، ولا يُشرب لبنها، ولا يُركب ظهرها، ولا يُجز صوفها؛ لأنهم قالوا: نُتجت خمسة أبطن آخرها ذكر. و " السائبة " وهي الناقة التي يقدمها الرجل إن برئ من مرضه أو قدم من سفره كنذر سائب.فلا يربطها، وتأكل كما تريد، وتشرب ما تريد، وتنام في أي مكان، ولا أحد يتعرض لها أبداً، وقد سميت " سائبة " بمعنى مأخوذ من الماء السائب. ونعرف أن صفة الماء وطبيعته الأساسية هي الاستطراق، فإن سقط الماء على قمم الجبال فهو يملأ الوديان أولاً، ثم يصعد إلى الأعالي، هكذا يكون استطراق الماء ما لم يتحكم فيه الإنسان بإقامة السدود والمضخات وشبكات توزيع المياه.

والوصيلة هي الناقة التي تصل أخاها، فالناقة عندما تحمل وتضع المولود، هنا ينظر أصحاب الناقة إلى جنس المولود، فإن كان ذكراً أكلوه، أما إن كان المولود أنثى فهي لهم يستبقونها لأنها وعاء إنجاب لنتاج جديد ويكفي فحل واحد لإخصاب عشرات الإناث. فإن نتجت الناقة في بطن واحد ذكراً وأنثى فإنهم لا يذبحونهما ويقال: " وصلت الأنثى أخاها " فحرمته علينا.

وفي ريفنا المصري نجد الأطفال يتمنون أن يأتي وليد الجاموسة أو البقرة ذكراً حتى يأكلوا من لحمه وحتى يشربوا من لبن الجاموسة أو البقرة كما يهوون. ذلك أن الطفل ينظر إلى مصلحته المباشرة، أما الكبار فهم يتمنون دائماً أن يكون وليد البهيمة أنثى، لأن الأنثى وعاء لنتاج جديد.

والـ " حام " هو الفحل الذي يُحمى ظهره من أن يُركب، ويتركونه لينطلق كما يريد. وهو الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، أو هو الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن. وكان من الضوابط لهذه العملية أن يعرفوا أن حفيد هذا الفحل - ابن ابنه - يمكنه أن يلقح.

وكل هذه المسائل: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، هي من اختراعات أهل الكفر الذي يفترون على الله، فالحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام ليستمتع الإنسان بأكلها وشرب لبنها وتسخيرها إلى ما يفيده.

ومعنى " يفتري الكذب " أي أنه يختلق كذباً ويدعيه ليطرأ به على صدق ليخفيه فالكذب ستر لحقيقة كانت قائمة. والحقيقة القائمة منذ أن خلق الله الخلق أن هذه الأنعام جميعها مسخرة لخدمة الإنسان، وأبلغ سبحانه آدم بمنهجه، وكان من المفروض أن يبلغ كل جيل الجيل الذي يليه، لكن طول الزمن والغفلة هما السببان وراء نسيان الناس لبعض الأحكام؛ لذلك بعث الله الرسل ليذكروا الناس بالمنهج، وليزيلوا الكفر عن وعي الناس، فالكافرون أناس ستروا منهج الله، وستروا البلاغ عن الله، وهم بذلك يفترون الكذب على الله.

ومثال ذلك قصة دخول الأصنام إلى الكعبة، فقد سافر رجل اسمه عمرو بن لُحي إلى بلاد الشام، فوجد أوثاناً وأصناماً فنقل منها صنما يقال له " هبل " إلى مكة، وكان هو أول من أدخل الأصنام إلى مكة، وكما فعل عمرو بن لُحَيّ فعل غيره بوضع قوانين وقواعد لم يأت بها الله، كالوصيلة والبحيرة والسائبة والحام. وكان ذلك افتراءً على منهج الله وتغييراً لمنهج الحق، وعلى فرض أنه لا منهج قد وصلهم من الله، ألم يكن من ضرورة التعقل أن ينظروا في أمر هذه البدع والضلالات؟

إن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع العقل من أن يصل إلى حقيقة كونية سليمة.ولكن قد يجهد العقل ويتعب بالتجربة الطويلة حتى يصل إلى حقيقة ما. لذلك أراد سبحانه حماية الناس من شقاء التجارب القاسية فأنزل منهجه ليحدد الحرام من الحلال. قال سبحانه:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }
[التوبة: 33].

ويقول في موضع آخر من القرآن الكريم:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }
[الفتح: 28].

ولقائل أن يقول: لماذا إذن وُجد في العالم أديان أخرى. كاليهودية والنصرانية، ولماذا إذن هناك ملاحدة ما دام الله قد قرر ألا يوجد مع الإسلام دين آخر؟

ونقول: أنت لم تفهم مراد الآيتين الكريمتين، إن الحق سبحانه يقرر مرة أن الذي الذي سيظهر ولو كره المشركون، ومعنى ذلك أن هناك كافرين ومشركين، وأهل ديانات أخرى وسيظهر الإسلام عليهم، ويجعله الله هو السائد بالحجة والبرهان وبشهادة الكافرين والملحدين والوثنيين أنفسهم؛ لأن أمور الحياة ستتبعهم في كل قضايا حياتهم، ولا يجدون حلولاً لهذه المتاعب إلا بأن يذهبوا إلى قضية الإسلام، لا لأنه إسلام، ولكن لأن أسلوب وقواعد الإسلام هي التي ستخلصهم من مشكلاتهم، ولجوؤهم إلى أقضية تتفق مع الإسلام - مع كفرهم بالإسلام - هو شهادة قوية على أن الإسلام جاء دين الفطرة، ودين العقل، وأن الكل سيحتاج إليه قهراً عنه. ومن لم يأخذ ديناً فيسضطر إلى أن يأخذه نظاماً.

وإذا كان الحق سبحانه قد ذيل الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها بقوله عز وجل: { وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فلأنه سبحانه ينبهنا إلى أنهم لو تعقلوا الأمر لما جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من المحرمات عليهم.

ولنا أن نتساءل: أجعلتم هذه الأشياء حراماً تكريماً لها أم زهداً فيها؟. فإن كان هو الزهد، فمعنى ذلك أنهم أخرجوها عما خلق الله؛ لأن الله خلقها لنأكل لحمها وننتفع بها. وإن كان هو التكريم، فهل من التكريم أن يترك الإنسان الحيوان الذي خدمه دون حماية من ذئب، ودون طعام يعده له ويتركه يلغ في أرض الغير؟. إن هذا أسلوب يدل على عدم الوفاء للحيوان الذي خدم الإنسان، ومثل هذا السلوك لا يستبقي حياة هذا الحيوان، بل يعرضها للخطر، لهذا يأبى العقل السويِّ هذا الزهد وذلك التكريم. فإن كان عمرو بن لُحَيِّ أو غيره قد جاءوا بأشياء وتقاليد لم يجعلها الله، فعلينا أن نشكر الحق سبحانه لأنه جاء بالإسلام ليعدل من هذه المسائل.

والمدقق للنظر في آيات القرآن يجدها تمثل برنامجاً مطمْئِناً لحياة الإنسان على الأرض، وكأنها حاسب آلي يضبط إيقاع حركة الإنسان في الأرض بدقة تتفوق بكل المقاييس على دقة أي حاسب آلي من صنع البشر، ذلك المسمى " كمبيوتر ". إن هناك " كمبيوتر " إلهياً يهدي الإنسان من أن يضل أو يُضل. فالسماء تعدل للإنسان سلوكه إن ذهب بعيداً عن الصراط المستقيم. ولا يقولن إنسان: إنما أنا أتبع ما كان عليه آبائي. لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ... }


www.alro7.net