سورة
اية:

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : { قل} يا محمد { لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك} أي يا أيها الإنسان { كثرة الخبيث} ""أخرج الواحدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تحريم الخمر، فقال أعرابي: إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي فاعتقت منها مالاً، فهل ينفع ذلك المال إن عملت بطاعة اللّه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اللّه لا يقبل إلا الطيب)، فأنزل اللّه: { قل لا يستوي} الآية كما في (اللباب) يعني أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار كما جاء في الحديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) وقال أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة: إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(قليل تؤدي شكره خير من كثير لاتطيقه)، { فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به { لعلكم تفلحون} أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوه عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، وقال البخاري عن أنس بن مالك قال: خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قال فغطى أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: (فلان) فنزلت هذه الآية: { لا تسألوا عن أشياء} ، وعن أبي هريرة قال: خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ قال: (في النار)، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة)، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا باللّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماما، إنّا يا رسول اللّه حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم السدي. قال البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللّه فيهم هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} حتى فرغ من الآية كلها. وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، الحديث. وقوله تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تبين لكم، وذلك على اللّه يسير، ثم قال: { عفا اللّه عنها} أي عما كان منكم قبل ذلك { واللّه غفور حليم} وقيل المراد بقوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: (أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها، { عفا اللّه عنها} أي ما لم يذكره في كتابه، فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، وفي الحديث الصحيح أيضاً: (إن اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها) ثم قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} أي قد سأل هذه المسائل المنهى عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، أي بينت لهم فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أذّن في الناس فقال: (يا قوم كتب عليكم الحج) فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول اللّه أفي كل عام؟ فأغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فقال: (والذي نفسي بيده لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذاً لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه)، فأنزل اللّه هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى اللّه عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. ثم قال: { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} روي عن عكرمة رحمه اللّه: أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهاراً وأن يجعل لهم الصفا ذهباً وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وقد قال اللّه تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون} الآية. وقال تعالى: { وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند اللّه وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} .

تفسير الجلالين

{ قد سألها } أي الأشياء { قوم من قبلكم } أنبياءهم فأجيبوا ببيان أحكامها { ثم أصبحوا } صاروا { بها كافرين } بتركهم العمل بها .

تفسير الطبري

تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ : فَلَمَّا آتَاهُمُوهَا اللَّه , أَصْبَحُوا بِهَا جَاحِدِينَ مُنْكِرِينَ أَنْ تَكُون دَلَالَة عَلَى حَقِيقَة مَا اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ , وَبُرْهَانًا عَلَى صِحَّة مَا جَعَلْت بُرْهَانًا عَلَى تَصْحِيحه , كَقَوْمِ صَالِح الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَة ; فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ النَّاقَة آيَة عَقَرُوهَا , وَكَاَلَّذِينَ سَأَلُوا عِيسَى مَائِدَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء : فَلَمَّا أُعْطَوْهَا كَفَرُوا بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَحَذَّرَ اللَّه تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيل مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي هَلَكَتْ بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّه لَمَّا جَاءَتْهُمْ عِنْد مَسْأَلتهُمُوهَا , فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَسْأَلُوا الْآيَات , وَلَا تَبْحَثُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ , فَقَدْ سَأَلَ الْآيَات مِنْ قَبْلكُمْ قَوْم ; فَلَمَّا أُوتُوهَا أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ . كَاَلَّذِي : 9989 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } نَهَاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مِثْل الَّذِي سَأَلَتْ النَّصَارَى مِنْ الْمَائِدَة , فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 9990 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ } قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ , وَذَلِكَ حِين قِيلَ لَهُ : غَيْر لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ : فَلَمَّا آتَاهُمُوهَا اللَّه , أَصْبَحُوا بِهَا جَاحِدِينَ مُنْكِرِينَ أَنْ تَكُون دَلَالَة عَلَى حَقِيقَة مَا اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ , وَبُرْهَانًا عَلَى صِحَّة مَا جَعَلْت بُرْهَانًا عَلَى تَصْحِيحه , كَقَوْمِ صَالِح الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَة ; فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ النَّاقَة آيَة عَقَرُوهَا , وَكَاَلَّذِينَ سَأَلُوا عِيسَى مَائِدَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء : فَلَمَّا أُعْطَوْهَا كَفَرُوا بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَحَذَّرَ اللَّه تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيل مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي هَلَكَتْ بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّه لَمَّا جَاءَتْهُمْ عِنْد مَسْأَلتهُمُوهَا , فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَسْأَلُوا الْآيَات , وَلَا تَبْحَثُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ , فَقَدْ سَأَلَ الْآيَات مِنْ قَبْلكُمْ قَوْم ; فَلَمَّا أُوتُوهَا أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ . كَاَلَّذِي : 9989 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } نَهَاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مِثْل الَّذِي سَأَلَتْ النَّصَارَى مِنْ الْمَائِدَة , فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 9990 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ } قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ , وَذَلِكَ حِين قِيلَ لَهُ : غَيْر لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا . '

تفسير القرطبي

فيه عشر مسائل: الأولى: روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري عن أنس قال، قال رجل : يا نبي الله، من أبي ؟ قال : (أبوك فلان) قال فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية. وخرج أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : (فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا) فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله؟ قال : (النار). فقام عبدالله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله فقال : (أبوك حذافة) وذكر الحديث قال ابن عبدالبر : عبدالله بن حذافة أسلم قديما، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم؛ ولما قال من أبي يا رسول الله؛ قال : (أبوك حذافة) قالت له أمه : ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس ! فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به. وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97]. قالوا : يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا : أفي كل عام ؟ قال : (لا ولو قلت نعم لو جبت) ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} إلى آخر الآية. واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث حسن إلا أنه مرسل؛ أبو البختري لم يدرك عليا، واسمه سعيد. وأخرجه الدارقطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا أيها الناس كتب عليكم الحج) فقام رجل فقال : في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، ثم عاد فقال : في كل عام يا رسول الله؟ فقال : (ومن القائل)؟ قالوا : فلان؛ قال : (والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم) فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية. وقال الحسن البصري في هذه الآية : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ وهو قول سعيد بن جبير؛ وقال : ألا ترى أن بعده { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة : 103]. قلت : وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض. والله أعلم. و { أشياء} وزنه أفعال؛ ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء؛ قاله الكسائي وقيل : وزنه أفعلاء؛ كقولك : هين وأهوناء؛ عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال : أشياء؛ قال المازني : يجب أن يصغر شييات كما يصغر أصدقاء؛ في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون. الثانية: قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } فقال : لم تزل المسائل منذ قط تكره. روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا، قيل، وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال} قال كثير من العلماء : المراد بقوله (وكثرة السؤال ) التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا، وتكلفا فيما لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق المولدات، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها. قال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا؛ وقاله أيضا مالك وقيله : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى { ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا} [الحجرات : 12] قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة. قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها. والله أعلم. الثالثة: قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا. قلت قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته، وإنما قلنا كان أولى به؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن؛ ذكره الدارمي في مسنده؛ وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا؟ فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا : لم يكن قال فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد؟ قالوا : لا؛ قال : دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم. قال الدارمي : حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن؛ منهن { يسألونك عن الشهر الحرام } [البقرة : 217] ، { ويسألونك عن المحيض} [البقرة : 222] وشبهه ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. الرابعة: قال ابن عبدالبر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به فشفاء العي السؤال؛ ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره؛ قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد؛ فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها، ونشدت في مظانها، والله يفتح في صوابها. الخامسة: قوله تعالى { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } فيه غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} فأباحه لهم؛ فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني : الكناية في { عنها} ترجع إلى أشياء أخر؛ كقوله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون : 12] يعني آدم، ثم قال { ثم جعلناه نطفة} [المؤمنون : 13] أي ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال؛ فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم؛ فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يجز ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل { واللائى يئسن من المحيض} [الطلاق : 4]. فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه؛ فأما ما مست الحاجة إليه فلا. السادسة: قوله تعالى { عفا الله عنها والله غفور حليم} أي عن المسألة التي سلفت منهم. وقيل : عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. وقيل : العفو بمعنى الترك؛ أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه من ساءكم. وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية. وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير؛ أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما. وقيل : ليس فيه تقديم ولا تأخير؛ بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله { عنها} أي عن المسألة، أو عن السؤالات كما ذكرناه. السابعة: قوله تعالى { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا : ليست من عند الله؛ وذلك كسؤاله قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة؛ وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم. والله أعلم. الثامنة: إن قال قائل : ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهى عنه، يعارضه قوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل : 43] فالجواب؛ أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبدالله عباده به؛ ولم يذكره في كتابه. والله أعلم. التاسعة: روى مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجله مسألته). قال القشيري أبو نصر : ولو لم يسأل العجلاني عن الزنى لما ثبت اللعان. قال أبو الفرج الجوزي : هذا محمول على من سأل عن الشيء عنتا وعبثا فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه؛ والتحريم يعم. العاشرة: قال علماؤنا : لا تعلق للقدرية بهذا الحديث في أن الله تعالى يفعل شيئا من أجل شيء وبسببه، تعالى الله عن ذلك؛ فإن الله على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم؛ بل السبب والداعي فعل من أفعاله، لكن سبق القضاء والقدر أن يحرم من الشيء المسؤول عنه إذا وقع السؤال فيه؛ لا أن السؤال موجب للتحريم، وعلة له، ومثله كثير { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء : 23].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 97 - 103

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق لم يرسل هذه الآيات رحمة بمن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها فقد سأل قوم عن ناقة وعقروها فأبادهم الله. وقوم عيسى عليه السلام سألوا عن مائدة ونزلت عليهم وتوعدهم الحق بعدها إن لم يؤمنوا. وكانت سنة الله مع خلقه إن اقترحوا هم آية ولم يصدقوها فإن الحق يهلكهم أو يعذبهم. ويعطي سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ضماناً.
{  وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }
[الأنفال: 33].

إذن فالأسئلة التي سألوا عنها لم يجبهم عنها لأنه سبحانه قد عفا عنها. والعفو - كما نعلم - مأخوذ من عفّى الأثر أي أذهب الأثر, وعفو الله من مغفرته ورحمته.

ويقول الحق بعد ذلك: { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ... }


www.alro7.net