سورة
اية:

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الآية. [102].
أخبرنا محمد بن عبد العزيز القَنْطَرِي، أخبرنا أبو الفضل الحدادي، أخبرنا أبو زيد الخالدي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثنا جرير، أخبرنا حُصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال:
بينما نحن عند ابن عباس إذ قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فيجيئ أحدهم بكلمة حق، فإذا جُرِّب من أحدهم الصدق كذَب معها سبعين كذبة، فيشربها قلوبَ الناس. فاطلع على ذلك سليمان فأخذها فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الممنع الذي لا كنز له مثله؟ قالوا: نعم، قال: تحت الكرسي، فأخرجوه فقالوا: هذا سحر. فتناسخته الأمم، فأنزل الله تعالى عذر سليمان { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} .
وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنَيْرَنْجِيَّات على لسان آصف: هذا ما علَّم آصف بن برخيا سليمانَ الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان؛ فلما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه. فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلّمه، ورفضوا كتب أنبيائهم. ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رمي به، فقال: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} الآية.
أخبرنا سعيد بن العباس القرشي كتابة: أن الفضل بن زكرياء، حدثهم عن أحمد بن نجدة، أخبرنا سعيد بن منصور، حدَّثنا عتاب بن بشير، أخبرنا خُصَيف قال:
كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت شجرة الخُرْنُوبَة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أخربه قال: تخربينه؟! قالت: نعم، قال: بئس الشجرة أنت. فلم يلبث أن توفي، فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان [لنا] مثل سليمان. فأخذت الشياطين فكتبوا كتاباً فجعلوه في مصلى سليمان وقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به. فانطلقوا فاستخرجوا ذلك [الكتاب] فإِذا فيه سحر ورقى. فأنزل الله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} إلى قوله: { فَلاَ تَكْفُرْ} .
قال السّدي: إن الناس في زمن سليمان اكتتبوا السحر فاشتغلوا بتعلمه، فأخذ سليمان تلك الكتب [وجعلها في صندوق] ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك. فلما مات سليمان وذهب [الذين] كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا. فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود. فبرّأ الله عزّو جلّ سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية.

تفسير بن كثير

قوله تعالى: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} الآية. أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالاّت على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب اللّه من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع اللّه في كتابه الذي أنزله على نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه، ولم يدعها إلى هلاكها الحسدُ والبغيُ. عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا القطويني لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل اللّه عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل اللّه في ذلك: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكَّرهم ما أُخذ عليهم من الميثاق، وما عُهد إليهم في محمد صلى اللّه عليه وسلم : { واللّه ما عهد إلينا في محمد، وما أُخذ علينا ميثاقٌ، فأنزل اللّه تعالى: { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} وقال الحسن البصري في قوله: { بل أكثرهم لا يؤمنون} قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غداً، وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال قتادة: { نبذه فريق منهم} أي نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير: أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ - وهو التمر والزبيب - إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود الدؤلي: نظرتَ إلى عنوانه فنبذتَه ** كنبذك نعلاً أخلقتْ من نعالكا قلت: فالقوم ذمهم اللّه بنبذهم العهود التي تقدم اللّه إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته كما قال تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} ، وقال ههنا: { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم} الآية، أي طرح طائفة منهم كتاب اللّه الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وراء ظهورهم، أي تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها وأقبلوا على تعلم السحر واتّباعه، ولهذا أرادوا كيداً برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسحروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طلعة ذَكَرٍ تحت راعوفة ببئر أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له لبيد بن الأعصم لعنه اللّه وقبحه، فأطلع اللّه على ذلك رسوله صلى اللّه عليه وسلم وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطاً في الصحيحين كما سيأتي بيانه. قال السدي: { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم} قال: لما جاءهم محمد صلى اللّه عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فذلك قوله: { كأنهم لا يعلمون} وقال قتادة في قوله: { كأنهم لا يعلمون} قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به. عن ابن عباس قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: فأكفره جهال الناس وسبُّوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبّونه حتى أنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم : { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} وقال السدي في قوله تعالى: { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} أي على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنوا من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً ""أي لا ينفد بالأكل منه"" قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوهها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر ثم ذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم خاصموه بها فذلك حين يقول اللّه تعالى: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} وقال سعيد بن جبير: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخّر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستخرجوه وعملوا به، فأنزل اللّه تعالى على نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام، فقال تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} لما ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما نزل عليه من اللّه سليمان بن داود وعدّه فيمن عد من المرسلين، قال مَن كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد؟ يزعم أن ابن داود كان نبياً واللّه ما كان إلا ساحراً، وأنزل اللّه: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} الآية. وروي أنه لما مات سليمان عليه السلام قام إبليس - لعنه اللّه - خطيباً فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبياً إنما كان ساحراً فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: واللّه لقد كان سليمان ساحراً، هذا سحرهُ بهذا تعَّبدنا وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون: بل كان نبياً مؤمناً. فلما بعث اللّه النبي محمداً صلى اللّه عليه وسلم وذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل اللّه تعالى: { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان} "" رواه ابن جرير عن شهر بن حوشب"" الآية. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام. وقوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} أي واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب اللّه الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعدّاه بعلى لأنه تضمن { تتلو} تكذب. وقال ابن جرير: { على} ههنا بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق قلت والتضمن أحسن وأولى، واللّه أعلم وقول الحسن البصري رحمه اللّه: - وكان السحر قبل زمن سليمان - صحيحٌ لا شك فيه، لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده كما قال تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى} الآية ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: { وقتل داود جالوت وآتاه اللّه الملك والحكمة} وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام - لنبيهم صالح إنما { أنت من المسحَّرين} أي المسحورين على المشهور، وقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن ما نافية أعني التي في قوله: { وما أنزل على الملكين} قال القرطبي: ما نافية ومعطوف على قوله { وما كفر سليمان} ثم قال { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين} ، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم اللّه وجعل قوله { هاروت وماروت} بدلاً من الشياطين، قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى: { فإن كان له إخوة} أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه. وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: { وما أنزل على الملكين ببابل} الآية. يقول: لم ينزل اللّه السحر، وبإسناده عن الربيع بن أنَس في قوله { وما أنزل على الملكين} قال: ما أنزل اللّه عليهما السحر. قال ابن جرير. فتأويل الآية على هذا واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل اللّه السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون قوله { ببابل هاروت وماروت} من المؤخر الذي معناه المقدم قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وما كفر سليمان وما أنزل اللّه السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن اللّه أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم اللّه بذلك وأخبر نبيّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول وإن ما بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما اللّه إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً، وأغرب منه قوله من زعم أن { هاروت وماروت} قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم. وقد روي في قصة هاروت و ماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنَس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم وقصَّها خلق من المفسِّرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده اللّه تعالى، واللّه أعلم بحقيقة الحال . وقوله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} ، عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد اللّه أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعلما أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة: أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال ابن جرير في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر. وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر: وقد فتن الناس في دينهم ** وخلى ابن عفان شراً طويلا وكذلك قوله تعالى إخباراً عن موسى عليه السلام حيث قال: { إن هي إلا فتنتك} أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر واستشهد له بالحديث الصحيح: (من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ) "" رواه البزار بسند صحيح"" وقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر، ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا واللّه ما صنعت شيئاً! ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت ""رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه"" وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة. وقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} قال سفيان الثوري: إلا بقضاء اللّه، وقال الحسن البصري: من شاء اللّه سلطهم عليه ومن لم يشأ اللّه لم يسلط، ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن اللّه وقوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} أي يضرهم في دينهم وليس له نفع يوازي ضرره { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} أي ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس من نصيب، { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} يقول تعالى { ولبئس} البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم علم بما وعظوا به { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير} أي ولو أنهم آمنوا باللّه ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة اللّه على ذلك خيراً لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به كما قال تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللّه خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقَّاها إلا الصابرون} . وقد استدل بقوله: { ولو أنهم آمنوا واتقوا} من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد ابن حنبل وطائفة من السلف، وقيل: بل لا يكفر ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر ""رواه البخاري من صحيحه"" وصح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد ابن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في قتل الساحر، وروى الترمذي عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (حد الساحر ضربه بالسيف) ""رواه الترمذي عن جندب الأزدي مرفوعاً وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه""وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عُقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان اللّه يحيي الموتى!! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إنْ كان صادقاً فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: { أتاتون السحر وأنتم تبصرون} فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، واللّه أعلم. وحمل الشافعي رحمه اللّه قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً، واللّه أعلم. فصل حكى الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفَّروا من اعتقد وجوده، وأما أهل السنّة فقد جوّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا: إن اللّه يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استُدل على وقوع السحر، وأنه بخلق اللّه تعالى بقوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} . ومن الإخبار بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سُحِرَ وأن السحر عمل فيه، وبقصة المرأة مع عائشة رضي اللّه عنها، وما ذكرت من إتيانها بابل وتعلمها السحر. ثم قد ذكر أبو عبد اللّه الرازي أن أنواع السحر ثمانية الأول: سحر الكذابين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي السيارة وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر وهم الذين بعث اللّه إليهم ابراهيم الخليل مبطلاً لمقالتهم وراداً لمذهبهم. والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام، وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق لما ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين). والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن خلافاً للفلاسفة والمعتزلة وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضيه يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير. النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون، والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جداً، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله. قلت وقد قال بعض المفسِّرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب بالشعبذة ولهذا قال تعالى: { فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} وقال تعالى: { يخَيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى} قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، واللّه أعلم. النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورنها ضاحكة ؟؟ إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل، ؟؟ ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقاً فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها، ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطغام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم فيرون ذلك سائغاً لهم. النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية في الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد. قلت يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعياً أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. النوع السابع من السحر: التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخالفة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. قلت: هذا النمط يقال له التّنْبلة وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي عِلْم الفِراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان النبيل حاذقاً في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة من وجوه خفيفة لطيفة وذلك سائغ في الناس قلت النميمة على قسمين: تارةً تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين، أو على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة) وإنما يحذوا على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة واللّه المستعان. ثم قال الرازي فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، قلت: وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: (إن من البيان لسحراً)، وسمي السحور لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسَّحْرُ: الرئة، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْره، أي انتفخت رئته من الخوف وقالت عائشة رضي اللّه عنها: توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين سَحْري ونحري. وقال القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة، يخلق اللّه عنده ما يشاء، خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل، قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، ومنه ما يكون كلاماً يحفظ ورقى من أسماء اللّه تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك، قال: وقوله عليه السلام: (إن من البيان لسحراً) يحتمل أن يكون مدحاً كما تقوله طائفة ويحتمل أن يكون ذماً للبلاغة، قال: وهذا أصح، قال: لأنها تصوّب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال عليه الصلاة والسلام: (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له) الحديث. فصل واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي رحمه اللّه: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر. فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصاً، قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل لقصة لبيد بن الأعصم ، واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة حكمها حكم الرجل واللّه أعلم. مسْألة وهل يسأل الساحر حلاً لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول اللّه هلا تنشرت، فقال: (أمَّا اللّه فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شراً) وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته قلت : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل اللّه على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: (لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان:

تفسير الجلالين

{ واتبعوا } عطف على نبذ { ما تتلوا } أي تلت { الشياطين على } عهد { ملك سليمان } من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه أو كانت تسترق السمع وتضم إليه أكاذيب وتلقيه إلى الكهنة فيدونونه وفشا ذلك وشاع أن الجن تعلم الغيب فجمع سليمان الكتب ودفنها فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر فقالوا إنما ملككم بهذا فتعلموه فرفضوا كتب أنبيائهم قال تعالى تبرئه لسليمان ورداً على اليهود في قولهم انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً: { وما كفر سليمان } أي لم يعمل السحر لأنه كفر { ولكن } بالتشديد والتخفيف { الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } الجملة حال من ضمير كفروا { و } يعلمونهم { ما أنزل على الملكين } أي ألهماه من السحر وقرئ بكسر اللام الكائنين { ببابل } بلد في سواد العراق { هاروت وماروت } بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحر وقيل ملكان أنزلا لتعليمه ابتلاء من الله للناس { وما يعلمان من } زائدة { أحد حتى يقولا } له نصحاً { إنما نحن فتنة } بلية من الله إلى الناس ليمتحنهم بتعليمه فمن تعلمه كفر ومن تركه فهو مؤمن { فلا تكفر } بتعلمه فإن أبى إلا التعليم علماه { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } بأن يبغض كلا إلى الآخر { وما هم } أي السحرة { بضارين به } بالسحر { من } زائدة { أحد إلا بإذن الله } بإرادته { ويتعلمون ما يضرهم } في الآخرة { ولا ينفعهم } وهو السحر { ولقد } لام قسم { علموا } أي اليهود { لمن } لام ابتداء معلقة لما قبلها ومن موصلة { اشتراه } اختاره أو استبدله بكتاب الله { ماله في الآخرة من خلاق } نصيب في الجنة { ولبئس ما } شيئاً { شروا } باعوا { به أنفسهم } أي الشارين: أي حظها من الآخرة إن تعلموه حيث أوجب لهم النار { لو كانوا يعلمون } حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الْفَرِيق مِنْ أَحْبَار الْيَهُود وَعُلَمَائِهَا الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى وَرَاء ظُهُورهمْ , تَجَاهُلًا مِنْهُمْ وَكُفْرًا بِمَا هُمْ بِهِ عَالِمُونَ , كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رَفَضُوا كِتَابه الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ عِنْده عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَقَضُوا عَهْده الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَآثَرُوا السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان بْن دَاوُد فَاتَّبَعُوهُ ; وَذَلِك هُوَ الْخَسَار وَالضَّلَال الْمُبِين . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهَرَانِي مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُمْ خَاصَمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ , فَوَجَدُوا التَّوْرَاة لِلْقُرْآنِ مُوَافِقَة , تَأْمُرهُ مِنْ اتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه بِمِثْلِ الَّذِي يَأْمُر بِهِ الْقُرْآن , فَخَاصَمُوا بِالْكُتُبِ الَّتِي كَانَ النَّاس اكْتَتَبُوهَا مِنْ الْكَهَنَة عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1366 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَصْعَد إلَى السَّمَاء , فَتَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ مَوْت أَوْ غَيْث أَوْ أَمْر , فَيَأْتُونَ الْكَهَنَة فَيُخْبِرُونَهُمْ , فَتُحَدِّث الْكَهَنَة النَّاس فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا . حَتَّى إذَا أَمَّنَتْهُمْ الْكَهَنَة كَذَبُوا لَهُمْ , فَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْره فَزَادُوا مَعَ كُلّ كَلِمَة سَبْعِينَ كَلِمَة . فَاكْتَتَبَ النَّاس ذَلِكَ الْحَدِيث فِي الْكُتُب وَفَشَا فِي بَنِي إسْرَائِيل أَنَّ الْجِنّ تَعْلَم الْغَيْب . فَبَعَثَ سُلَيْمَان فِي النَّاس , فَجَمَعَ تَلِك الْكُتُب فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوق , ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه , وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ الشَّيَاطِين يَسْتَطِيع أَنْ يَدْنُو مِنْ الْكُرْسِيّ إلَّا احْتَرَقَ , وَقَالَ : " لَا أَسْمَع أَحَدًا يَذْكُر أَنَّ الشَّيَاطِين تَعْلَم الْغَيْب إلَّا ضَرَبْت عُنُقه " . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان , وَذَهَبَتْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْر سُلَيْمَان , وَخَلَفَ بَعْد ذَلِكَ خَلَف , تَمَثَّلَ الشَّيْطَان فِي صُورَة إنْسَان , ثُمَّ أَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَقَالَ : هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْز لَا تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَاحْفِرُوا تَحْت الْكُرْسِيّ وَذَهَبَ مَعَهُمْ فَأَرَاهُمْ الْمَكَان . فَقَامَ نَاحِيَة , فَقَالُوا لَهُ : فَادْنُ ! قَالَ : لَا وَلَكِنِّي هَاهُنَا فِي أَيْدِيكُمْ , فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي . فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الْكُتُب , فَلَمَّا أَخْرَجُوهَا قَالَ الشَّيْطَان : إنَّ سُلَيْمَان إنَّمَا كَانَ يَضْبِط الْإِنْس وَالشَّيَاطِين وَالطَّيْر بِهَذَا السِّحْر . ثُمَّ طَارَ فَذَهَبَ . وَفَشَا فِي النَّاس أَنَّ سُلَيْمَان كَانَ سَاحِرًا وَاِتَّخَذَتْ بَنُو إسْرَائِيل تِلْكَ الْكُتُب . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَمُوهُ بِهَا , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1367 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالُوا : إنَّ الْيَهُود سَأَلُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا عَنْ أُمُور مِنْ التَّوْرَاة , لَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَيَخُصّهُمْ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : هَذَا أَعْلَم بِمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنَّا . وَإِنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ السِّحْر وَخَاصَمُوهُ بِهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَإِنَّ الشَّيَاطِين عَمَدُوا إلَى كِتَاب فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْر وَالْكَهَانَة وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , فَدَفَنُوهُ تَحْت مَجْلِس سُلَيْمَان , وَكَانَ سُلَيْمَان لَا يَعْلَم الْغَيْب , فَلَمَّا فَارَقَ سُلَيْمَان الدُّنْيَا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْر , وَخَدَعُوا بِهِ النَّاس وَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَانَ سُلَيْمَان يَكْتُمهُ وَيَحْسُد النَّاس عَلَيْهِ . فَأَخْبَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيث . فَرَجَعُوا مِنْ عِنْده , وَقَدْ حَزِنُوا وَأَدْحَض اللَّه حُجَّتهمْ . 1368 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ { نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } الْآيَة . قَالَ : اتَّبَعُوا السِّحْر , وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب . فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1369 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : تَلَتْ الشَّيَاطِين السِّحْر عَلَى الْيَهُود عَلَى مُلْك سُلَيْمَان فَاتَّبَعَتْهُ الْيَهُود عَلَى مُلْكه ; يَعْنِي اتَّبَعُوا السِّحْر عَلَى مُلْك سُلَيْمَان . 1370 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : عَمَدَتْ الشَّيَاطِين حِين عَرَفَتْ مَوْت سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , فَكَتَبُوا أَصْنَاف السِّحْر : مَنْ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْلُغ كَذَا وَكَذَا , فَلْيَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا . حَتَّى إذَا صَنَعُوا أَصْنَاف السِّحْر , جَعَلُوهُ فِي كِتَاب . ثُمَّ خَتَمُوا عَلَيْهِ بِخَاتَمِ عَلَى نَقْش خَاتَم سُلَيْمَان , وَكَتَبُوا فِي عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا الصِّدِّيق لِلْمَلَكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " . ثُمَّ دَفَنُوهُ تَحْت كُرْسِيّه , فَاسْتَخْرَجَتْهُ بَعْد ذَلِكَ بَقَايَا بَنِي إسْرَائِيل حِين أَحْدَثُوا مَا أَحْدَثُوا , فَلَمَّا عَثَرُوا عَلَيْهِ قَالُوا : مَا كَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إلَّا بِهَذَا . فَأَفْشَوْا السِّحْر فِي النَّاس وَتَعَلَّمُوهُ وَعَلَّمُوهُ , فَلَيْسَ فِي أَحَد أَكْثَر مِنْهُ فِي يَهُود . فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَعَدَّهُ فِيمَنْ عَدَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ , قَالَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ يَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُم أَنَّ سُلَيْمَان بْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا ! وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } قَالَ : كَانَ حِين ذَهَبَ مُلْك سُلَيْمَان ارْتَدَّ فِئَام مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات . فَلَمَّا رَجَّعَ اللَّه إلَى سُلَيْمَان مُلْكه , قَامَ النَّاس عَلَى الدِّين كَمَا كَانُوا . وَإِنَّ سُلَيْمَان ظَهَرَ عَلَى كُتُبهمْ فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . وَتُوُفِّيَ سُلَيْمَان حِدْثَان ذَلِكَ , فَظَهَرَتْ الْجِنّ وَالْإِنْس عَلَى الْكُتُب بَعْد وَفَاة سُلَيْمَان , وَقَالُوا : هَذَا كِتَاب مِنْ اللَّه نَزَلَ عَلَى سُلَيْمَان أَخْفَاهُ مِنَّا . فَأَخَذُوا بِهِ فَجَعَلُوهُ دِينًا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } وَهِيَ الْمَعَازِف وَاللَّعِب وَكُلّ شَيْء يَصُدّ عَنْ ذِكْر اللَّه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَنَّ ذَلِكَ تَوْبِيخ مِنْ اللَّه لِأَحْبَارِ الْيَهُود الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَحَدُوا نُبُوَّته وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول مُرْسَل , وَتَأْنِيب مِنْهُ لَهُمْ فِي رَفْضهمْ تَنْزِيله , وَهَجْرهمْ الْعَمَل بِهِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ يَعْلَمُونَهُ وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ كِتَاب اللَّه , وَاتِّبَاعهمْ وَاتِّبَاع أَوَائِلهمْ وَأَسْلَافهمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه جَوَاز إضَافَة أَفْعَال أَسْلَافهمْ إلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّ الْمُتَّبِعَة مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان وَبَعْده إلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه نَبِيّه بِالْحَقِّ وَأَمْر السِّحْر لَمْ يَزَلْ فِي الْيَهُود , وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا } بَعْضًا مِنْهُمْ دُون بَعْض , إذْ كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا فِي كَلَام الْعَرَب إضَافَة مَا وَصَفْنَا مِنْ اتِّبَاع أَسْلَاف الْمُخْبِر عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } إلَى أَخْلَافهمْ بَعْدهمْ . وَلَمْ يَكُنْ بِخُصُوصِ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَر مَنْقُول , وَلَا حُجَّة تَدُلّ عَلَيْهِ , فَكَانَ الْوَاجِب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : كُلّ مُتَّبِع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ الْيَهُود دَاخِل فِي مَعْنَى الْآيَة , عَلَى النَّحْو الَّذِي قُلْنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الَّذِي تَتْلُو . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { تَتْلُوا } فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَتْلُوا } تُحَدِّث وَتَرْوِي وَتَتَكَلَّم بِهِ وَتُخْبِر , نَحْو تِلَاوَة الرَّجُل لِلْقُرْآنِ وَهِيَ قِرَاءَته . وَوَجْه قَائِلُو هَذَا الْقَوْل تَأْوِيلهمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي عَلَّمَتْ النَّاس السِّحْر وَرَوَتْهُ لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1371 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْمَع الْوَحْي , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِائَتَيْنِ مِثْلهَا , فَأَرْسَلَ سُلَيْمَان إلَى مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَهُ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس ; وَهُوَ السِّحْر . 1372 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } مِنْ الْكَهَانَة وَالسِّحْر ; وَذَكَر لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَعَلَّمُوهُمْ إيَّاهُ . 1373 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ عَطَاء : قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } قَالَ : نَرَاهُ مَا تُحَدِّث . 1374 - حَدَّثَنِي سَلَم بْن جُنَادَةَ السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : انْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فِي الْأَيَّام الَّتِي اُبْتُلِيَ فِيهَا سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ فِيهَا كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر , ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } مَا تَتَّبِعهُ وَتَرْوِيه وَتَعْمَل بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَمْرو العنقزي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { تَتْلُوا } قَالَ : تَتْبَع . 1376 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إبْرَاهِيم , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِاتِّبَاعِهِمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين . وَلِقَوْلِ الْقَائِل : " هُوَ يَتْلُو كَذَا " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا الِاتِّبَاع , كَمَا يُقَال : تَلَوْت فُلَانًا إذَا مَشَيْت خَلْفه وَتَبِعْت أَثَره , كَمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } 10 30 يَعْنِي بِذَلِك تَتْبَع . وَالْآخَر : الْقِرَاءَة وَالدِّرَاسَة , كَمَا تَقُول : فُلَان يَتْلُو الْقُرْآن , . بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَيَدْرُسهُ , كَمَا قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : نَبِيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاس حَوْله وَيَتْلُو كِتَاب اللَّه فِي كُلّ مَشْهَد وَلَمْ يُخْبِرنَا اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَيِّ مَعْنَى التِّلَاوَة كَانَتْ تِلَاوَة الشَّيَاطِين الَّذِينَ تَلُوا مَا تَلَوْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِخَبَرِ يَقْطَع الْعُذْر . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين تَلَتْ ذَلِكَ دِرَاسَة وَرِوَايَة وَعَمَلًا , فَتَكُون كَانَتْ مُتَّبِعَته بِالْعَمَلِ , وَدِرَاسَته بِالرِّوَايَةِ , فَاتَّبَعَتْ الْيَهُود مِنْهَاجهَا فِي ذَلِكَ وَعَمِلَتْ بِهِ وَرَوَتْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الْفَرِيق مِنْ أَحْبَار الْيَهُود وَعُلَمَائِهَا الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى وَرَاء ظُهُورهمْ , تَجَاهُلًا مِنْهُمْ وَكُفْرًا بِمَا هُمْ بِهِ عَالِمُونَ , كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رَفَضُوا كِتَابه الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ عِنْده عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَقَضُوا عَهْده الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَآثَرُوا السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان بْن دَاوُد فَاتَّبَعُوهُ ; وَذَلِك هُوَ الْخَسَار وَالضَّلَال الْمُبِين . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهَرَانِي مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُمْ خَاصَمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ , فَوَجَدُوا التَّوْرَاة لِلْقُرْآنِ مُوَافِقَة , تَأْمُرهُ مِنْ اتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه بِمِثْلِ الَّذِي يَأْمُر بِهِ الْقُرْآن , فَخَاصَمُوا بِالْكُتُبِ الَّتِي كَانَ النَّاس اكْتَتَبُوهَا مِنْ الْكَهَنَة عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1366 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَصْعَد إلَى السَّمَاء , فَتَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ مَوْت أَوْ غَيْث أَوْ أَمْر , فَيَأْتُونَ الْكَهَنَة فَيُخْبِرُونَهُمْ , فَتُحَدِّث الْكَهَنَة النَّاس فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا . حَتَّى إذَا أَمَّنَتْهُمْ الْكَهَنَة كَذَبُوا لَهُمْ , فَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْره فَزَادُوا مَعَ كُلّ كَلِمَة سَبْعِينَ كَلِمَة . فَاكْتَتَبَ النَّاس ذَلِكَ الْحَدِيث فِي الْكُتُب وَفَشَا فِي بَنِي إسْرَائِيل أَنَّ الْجِنّ تَعْلَم الْغَيْب . فَبَعَثَ سُلَيْمَان فِي النَّاس , فَجَمَعَ تَلِك الْكُتُب فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوق , ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه , وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ الشَّيَاطِين يَسْتَطِيع أَنْ يَدْنُو مِنْ الْكُرْسِيّ إلَّا احْتَرَقَ , وَقَالَ : " لَا أَسْمَع أَحَدًا يَذْكُر أَنَّ الشَّيَاطِين تَعْلَم الْغَيْب إلَّا ضَرَبْت عُنُقه " . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان , وَذَهَبَتْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْر سُلَيْمَان , وَخَلَفَ بَعْد ذَلِكَ خَلَف , تَمَثَّلَ الشَّيْطَان فِي صُورَة إنْسَان , ثُمَّ أَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَقَالَ : هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْز لَا تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَاحْفِرُوا تَحْت الْكُرْسِيّ وَذَهَبَ مَعَهُمْ فَأَرَاهُمْ الْمَكَان . فَقَامَ نَاحِيَة , فَقَالُوا لَهُ : فَادْنُ ! قَالَ : لَا وَلَكِنِّي هَاهُنَا فِي أَيْدِيكُمْ , فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي . فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الْكُتُب , فَلَمَّا أَخْرَجُوهَا قَالَ الشَّيْطَان : إنَّ سُلَيْمَان إنَّمَا كَانَ يَضْبِط الْإِنْس وَالشَّيَاطِين وَالطَّيْر بِهَذَا السِّحْر . ثُمَّ طَارَ فَذَهَبَ . وَفَشَا فِي النَّاس أَنَّ سُلَيْمَان كَانَ سَاحِرًا وَاِتَّخَذَتْ بَنُو إسْرَائِيل تِلْكَ الْكُتُب . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَمُوهُ بِهَا , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1367 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالُوا : إنَّ الْيَهُود سَأَلُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا عَنْ أُمُور مِنْ التَّوْرَاة , لَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَيَخُصّهُمْ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : هَذَا أَعْلَم بِمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنَّا . وَإِنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ السِّحْر وَخَاصَمُوهُ بِهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَإِنَّ الشَّيَاطِين عَمَدُوا إلَى كِتَاب فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْر وَالْكَهَانَة وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , فَدَفَنُوهُ تَحْت مَجْلِس سُلَيْمَان , وَكَانَ سُلَيْمَان لَا يَعْلَم الْغَيْب , فَلَمَّا فَارَقَ سُلَيْمَان الدُّنْيَا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْر , وَخَدَعُوا بِهِ النَّاس وَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَانَ سُلَيْمَان يَكْتُمهُ وَيَحْسُد النَّاس عَلَيْهِ . فَأَخْبَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيث . فَرَجَعُوا مِنْ عِنْده , وَقَدْ حَزِنُوا وَأَدْحَض اللَّه حُجَّتهمْ . 1368 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ { نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } الْآيَة . قَالَ : اتَّبَعُوا السِّحْر , وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب . فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1369 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : تَلَتْ الشَّيَاطِين السِّحْر عَلَى الْيَهُود عَلَى مُلْك سُلَيْمَان فَاتَّبَعَتْهُ الْيَهُود عَلَى مُلْكه ; يَعْنِي اتَّبَعُوا السِّحْر عَلَى مُلْك سُلَيْمَان . 1370 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : عَمَدَتْ الشَّيَاطِين حِين عَرَفَتْ مَوْت سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , فَكَتَبُوا أَصْنَاف السِّحْر : مَنْ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْلُغ كَذَا وَكَذَا , فَلْيَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا . حَتَّى إذَا صَنَعُوا أَصْنَاف السِّحْر , جَعَلُوهُ فِي كِتَاب . ثُمَّ خَتَمُوا عَلَيْهِ بِخَاتَمِ عَلَى نَقْش خَاتَم سُلَيْمَان , وَكَتَبُوا فِي عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا الصِّدِّيق لِلْمَلَكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " . ثُمَّ دَفَنُوهُ تَحْت كُرْسِيّه , فَاسْتَخْرَجَتْهُ بَعْد ذَلِكَ بَقَايَا بَنِي إسْرَائِيل حِين أَحْدَثُوا مَا أَحْدَثُوا , فَلَمَّا عَثَرُوا عَلَيْهِ قَالُوا : مَا كَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إلَّا بِهَذَا . فَأَفْشَوْا السِّحْر فِي النَّاس وَتَعَلَّمُوهُ وَعَلَّمُوهُ , فَلَيْسَ فِي أَحَد أَكْثَر مِنْهُ فِي يَهُود . فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَعَدَّهُ فِيمَنْ عَدَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ , قَالَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ يَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُم أَنَّ سُلَيْمَان بْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا ! وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } قَالَ : كَانَ حِين ذَهَبَ مُلْك سُلَيْمَان ارْتَدَّ فِئَام مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات . فَلَمَّا رَجَّعَ اللَّه إلَى سُلَيْمَان مُلْكه , قَامَ النَّاس عَلَى الدِّين كَمَا كَانُوا . وَإِنَّ سُلَيْمَان ظَهَرَ عَلَى كُتُبهمْ فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . وَتُوُفِّيَ سُلَيْمَان حِدْثَان ذَلِكَ , فَظَهَرَتْ الْجِنّ وَالْإِنْس عَلَى الْكُتُب بَعْد وَفَاة سُلَيْمَان , وَقَالُوا : هَذَا كِتَاب مِنْ اللَّه نَزَلَ عَلَى سُلَيْمَان أَخْفَاهُ مِنَّا . فَأَخَذُوا بِهِ فَجَعَلُوهُ دِينًا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } وَهِيَ الْمَعَازِف وَاللَّعِب وَكُلّ شَيْء يَصُدّ عَنْ ذِكْر اللَّه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَنَّ ذَلِكَ تَوْبِيخ مِنْ اللَّه لِأَحْبَارِ الْيَهُود الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَحَدُوا نُبُوَّته وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول مُرْسَل , وَتَأْنِيب مِنْهُ لَهُمْ فِي رَفْضهمْ تَنْزِيله , وَهَجْرهمْ الْعَمَل بِهِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ يَعْلَمُونَهُ وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ كِتَاب اللَّه , وَاتِّبَاعهمْ وَاتِّبَاع أَوَائِلهمْ وَأَسْلَافهمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه جَوَاز إضَافَة أَفْعَال أَسْلَافهمْ إلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّ الْمُتَّبِعَة مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان وَبَعْده إلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه نَبِيّه بِالْحَقِّ وَأَمْر السِّحْر لَمْ يَزَلْ فِي الْيَهُود , وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا } بَعْضًا مِنْهُمْ دُون بَعْض , إذْ كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا فِي كَلَام الْعَرَب إضَافَة مَا وَصَفْنَا مِنْ اتِّبَاع أَسْلَاف الْمُخْبِر عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } إلَى أَخْلَافهمْ بَعْدهمْ . وَلَمْ يَكُنْ بِخُصُوصِ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَر مَنْقُول , وَلَا حُجَّة تَدُلّ عَلَيْهِ , فَكَانَ الْوَاجِب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : كُلّ مُتَّبِع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ الْيَهُود دَاخِل فِي مَعْنَى الْآيَة , عَلَى النَّحْو الَّذِي قُلْنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الَّذِي تَتْلُو . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { تَتْلُوا } فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَتْلُوا } تُحَدِّث وَتَرْوِي وَتَتَكَلَّم بِهِ وَتُخْبِر , نَحْو تِلَاوَة الرَّجُل لِلْقُرْآنِ وَهِيَ قِرَاءَته . وَوَجْه قَائِلُو هَذَا الْقَوْل تَأْوِيلهمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي عَلَّمَتْ النَّاس السِّحْر وَرَوَتْهُ لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1371 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْمَع الْوَحْي , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِائَتَيْنِ مِثْلهَا , فَأَرْسَلَ سُلَيْمَان إلَى مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَهُ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس ; وَهُوَ السِّحْر . 1372 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } مِنْ الْكَهَانَة وَالسِّحْر ; وَذَكَر لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَعَلَّمُوهُمْ إيَّاهُ . 1373 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ عَطَاء : قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } قَالَ : نَرَاهُ مَا تُحَدِّث . 1374 - حَدَّثَنِي سَلَم بْن جُنَادَةَ السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : انْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فِي الْأَيَّام الَّتِي اُبْتُلِيَ فِيهَا سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ فِيهَا كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر , ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } مَا تَتَّبِعهُ وَتَرْوِيه وَتَعْمَل بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَمْرو العنقزي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { تَتْلُوا } قَالَ : تَتْبَع . 1376 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إبْرَاهِيم , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِاتِّبَاعِهِمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين . وَلِقَوْلِ الْقَائِل : " هُوَ يَتْلُو كَذَا " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا الِاتِّبَاع , كَمَا يُقَال : تَلَوْت فُلَانًا إذَا مَشَيْت خَلْفه وَتَبِعْت أَثَره , كَمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } 10 30 يَعْنِي بِذَلِك تَتْبَع . وَالْآخَر : الْقِرَاءَة وَالدِّرَاسَة , كَمَا تَقُول : فُلَان يَتْلُو الْقُرْآن , . بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَيَدْرُسهُ , كَمَا قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : نَبِيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاس حَوْله وَيَتْلُو كِتَاب اللَّه فِي كُلّ مَشْهَد وَلَمْ يُخْبِرنَا اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَيِّ مَعْنَى التِّلَاوَة كَانَتْ تِلَاوَة الشَّيَاطِين الَّذِينَ تَلُوا مَا تَلَوْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِخَبَرِ يَقْطَع الْعُذْر . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين تَلَتْ ذَلِكَ دِرَاسَة وَرِوَايَة وَعَمَلًا , فَتَكُون كَانَتْ مُتَّبِعَته بِالْعَمَلِ , وَدِرَاسَته بِالرِّوَايَةِ , فَاتَّبَعَتْ الْيَهُود مِنْهَاجهَا فِي ذَلِكَ وَعَمِلَتْ بِهِ وَرَوَتْهُ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فِي مُلْك سُلَيْمَان ; وَذَلِك أَنَّ الْعَرَب تَضَع " فِي " مَوْضِع " عَلَى " و " عَلَى " فِي مَوْضِع " فِي " , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَأُصَلِّبَنكُمْ فِي جُذُوع النَّخْل } 20 71 يَعْنِي بِهِ : عَلَى جُذُوع النَّخْل , وَكَمَا قَالَ : " فَعَلْت كَذَا فِي عَهْد كَذَا وَعَلَى عَهْد كَذَا " بِمَعْنَى وَاحِد . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ كَانَ ابْن جُرَيْجٍ وَابْن إسْحَاق يَقُولَانِ فِي تَأْوِيله . 1377 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : ابْن جُرَيْجٍ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَقُول : فِي مُلْك سُلَيْمَان . 1378 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ ابْن أَبِي إسْحَاق فِي قَوْله : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ فِي مُلْك سُلَيْمَان . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فِي مُلْك سُلَيْمَان ; وَذَلِك أَنَّ الْعَرَب تَضَع " فِي " مَوْضِع " عَلَى " و " عَلَى " فِي مَوْضِع " فِي " , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَأُصَلِّبَنكُمْ فِي جُذُوع النَّخْل } 20 71 يَعْنِي بِهِ : عَلَى جُذُوع النَّخْل , وَكَمَا قَالَ : " فَعَلْت كَذَا فِي عَهْد كَذَا وَعَلَى عَهْد كَذَا " بِمَعْنَى وَاحِد . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ كَانَ ابْن جُرَيْجٍ وَابْن إسْحَاق يَقُولَانِ فِي تَأْوِيله . 1377 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : ابْن جُرَيْجٍ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَقُول : فِي مُلْك سُلَيْمَان . 1378 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ ابْن أَبِي إسْحَاق فِي قَوْله : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ فِي مُلْك سُلَيْمَان . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } وَلَا خَبَر مَعَنَا قَبْل عَنْ أَحَد أَنَّهُ أَضَافَ الْكُفْر إلَى سُلَيْمَان , بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَ مِنْ الْيَهُود مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين ؟ فَمَا وَجْه نَفْي الْكُفْر عَنْ سُلَيْمَان بِعَقِبِ الْخَبَر عَنْ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَتْ الشَّيَاطِين فِي الْعَمَل بِالسِّحْرِ وَرِوَايَته مِنْ الْيَهُود ؟ قِيلَ : وَجْه ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ أَضَافَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إلَيْهِمْ اتِّبَاع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْ الْيَهُود , نَسَبُوا مَا أَضَافَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إلَى الشَّيَاطِين مِنْ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد , وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِلْمه وَرِوَايَته , وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَعْبِد مَنْ يَسْتَعْبِد مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَسَائِر خَلْق اللَّه بِالسِّحْرِ . فَحَسَّنُوا بِذَلِك - مِنْ رُكُوبهمْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السِّحْر - أَنْفُسهمْ عِنْد مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَعِنْد مَنْ كَانَ لَا عِلْم لَهُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوْرَاة , وَتَبَرَّأَ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان - مِنْ سُلَيْمَان , وَهُوَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ - بَشَر , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُون كَانَ لِلَّهِ رَسُولًا , وَقَالُوا : بَلْ كَانَ سَاحِرًا . فَبَرَّأَ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر عِنْد مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَنْسُبهُ إلَى السِّحْر وَالْكُفْر لِأَسْبَابِ ادَّعَوْهَا عَلَيْهِ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهَا , وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَا حَضَرَنَا ذِكْره مِنْهَا . وَأَكْذَب الْآخَرِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالسِّحْرِ , مُتَزَيِّنِينَ عِنْد أَهْل الْجَهْل فِي عَمَلهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ سُلَيْمَان كَانَ يَعْمَلهُ . فَنَفَى اللَّه عَنْ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَكُون كَانَ سَاحِرًا أَوْ كَافِرًا , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا اتَّبَعُوا فِي عَمَلهمْ السِّحْر مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان , دُون مَا كَانَ سُلَيْمَان يَأْمُرهُمْ مِنْ طَاعَة اللَّه وَاتِّبَاع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ . ذِكْر الدَّلَائِل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ الْأَخْبَار وَالْآثَار : 1379 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ سُلَيْمَان يَتَتَبَّع مَا فِي أَيْدِي الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر , فَيَأْخُذهُ فَيَدْفِنهُ تَحْت كُرْسِيّه فِي بَيْت خِزَانَته . فَلَمْ تَقْدِر الشَّيَاطِين أَنْ يَصِلُوا إلَيْهِ , فَدَنَتْ إلَى الْإِنْس , فَقَالُوا لَهُمْ : أَتُرِيدُونَ الْعِلْم الَّذِي كَانَ سُلَيْمَان يُسَخِّر بِهِ الشَّيَاطِين وَالرِّيَاح وَغَيْر ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالُوا : فَإِنَّهُ فِي بَيْت خِزَانَته وَتَحْت كُرْسِيّه . فَاسْتِثَارَته الْإِنْس فَاسْتَخْرَجُوهُ فَعَمِلُوا بِهِ . فَقَالَ أَهْل الْحِجَاز : كَانَ سُلَيْمَان يَعْمَل بِهَذَا وَهَذَا سِحْر . فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَى لِسَان نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَة سُلَيْمَان , فَقَالَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة , فَأَنْزَلَ اللَّه بَرَاءَة سُلَيْمَان عَلَى لِسَان نَبِيّه عَلَيْهِمَا السَّلَام . 1380 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ الَّذِي أَصَابَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي سَبَب أُنَاس مِنْ أَهْل امْرَأَة يُقَال لَهَا جَرَادَة , وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَم نِسَائِهِ عَلَيْهِ , قَالَ : فَكَانَ هَوَى سُلَيْمَان أَنْ يَكُون الْحَقّ لِأَهْلِ الْجَرَادَة فَيَقْضِي لَهُمْ , فَعُوقِبَ حِين لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ فِيهِمْ وَاحِد . قَالَ : وَكَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل الْخَلَاء أَوْ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ أَعْطَى الْجَرَادَة خَاتَمه . فَلَمَّا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِي سُلَيْمَان بِاَلَّذِي ابْتَلَاهُ بِهِ , أَعْطَى الْجَرَادَة ذَات يَوْم خَاتَمه , فَجَاءَ الشَّيْطَان فِي صُورَة سُلَيْمَان فَقَالَ لَهَا : هَاتِي خَاتَمِي ! فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ , فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس . قَالَ : فَجَاءَهَا سُلَيْمَان فَقَالَ : هَاتِي خَاتَمِي ! فَقَالَتْ : كَذَبْت لَسْت بِسُلَيْمَان . قَالَ : فَعَرَفَ سُلَيْمَان أَنَّهُ بَلَاء اُبْتُلِيَ بِهِ . قَالَ : فَانْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فَكَتَبَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّام كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس وَقَالُوا : إنَّمَا كَانَ سُلَيْمَان يَغْلِب النَّاس بِهَذِهِ الْكُتُب . قَالَ : فَبَرِئَ النَّاس مِنْ سُلَيْمَان وَأَكْفَرُوهُ , حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَنْزَلَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَعْنِي الَّذِي كَتَبَ الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ وَعَذَرَهُ . 1381 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ أَبِي مِجْلَز , قَالَ : أَخَذَ سُلَيْمَان مِنْ كُلّ دَابَّة عَهْدًا , فَإِذَا أُصِيب رَجُل فَسُئِلَ بِذَلِك الْعَهْد خُلِّيَ عَنْهُ , فَرَأَى النَّاس السَّجْع وَالسِّحْر وَقَالُوا : هَذَا كَانَ يَعْمَل بِهِ سُلَيْمَان ; فَقَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1382 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عِمْرَان بْن الْحَارِث , قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْد ابْن عَبَّاس إذْ جَاءَهُ رَجُل , فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ قَالَ : مِنْ الْعِرَاق , قَالَ : مِنْ أَيّهِ ؟ قَالَ : مِنْ الْكُوفَة . قَالَ : فَمَا الْخَبَر ؟ قَالَ : تَرَكْتهمْ يَتَحَدَّثُونَ عَلِيًّا خَارِج إلَيْهِمْ . فَفَزِعَ فَقَالَ : مَا تَقُول لَا أَبَا لَك ! لَوْ شَعَرنَا مَا نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَلَا قَسَمْنَا مِيرَاثه , أَمَا إنِّي أُحَدِّثكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ الشَّيَاطِين يَسْتَرِقُونَ السَّمْع مِنْ السَّمَاء فَيَأْتِي أَحَدهمْ بِكَلِمَةِ حَقّ قَدْ سَمِعَهَا , فَإِذَا حَدَثَ مِنْهُ صِدْق كَذَبَ مَعَهَا سَبْعِينَ كِذْبَة , قَالَ : فَيَشْرَبهَا قُلُوب النَّاس ; فَأَطْلَعَ اللَّه عَلَيْهَا سُلَيْمَان فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد قَامَ شَيْطَان بِالطَّرِيقِ فَقَالَ : أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْزه الْمُمَنَّع الَّذِي لَا كَنْز مِثْله ؟ تَحْت الْكُرْسِيّ . فَأَخْرَجُوهُ فَقَالُوا : هَذَا سِحْر . فَتَنَاسَخَهَا الْأُمَم , حَتَّى بَقَايَاهُمْ مَا يَتَحَدَّث بِهِ أَهْل الْعِرَاق . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1383 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَأَعْلَمُوهُمْ إيَّاهُ . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِك سُلَيْمَان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَبَّعَ تِلْكَ الْكُتُب , فَأَتَى بِهَا فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه كَرَاهِيَة أَنْ يَتَعَلَّمهَا النَّاس . فَلَمَّا قَبَضَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان عَمَدَتْ الشَّيَاطِين فَاسْتَخْرَجُوهَا مِنْ مَكَانهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ فَعَلَّمُوهَا النَّاس , فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ هَذَا عِلْم كَانَ يَكْتُمهُ سُلَيْمَان وَيَسْتَأْثِر بِهِ . فَعَذَرَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان وَبَرَّأَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَتَبَتْ الشَّيَاطِين كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَشِرْك , ثُمَّ دَفَنَتْ تِلْكَ الْكُتُب تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان اسْتَخْرَجَ النَّاس تِلْكَ الْكُتُب , فَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَتَمْنَاهُ سُلَيْمَان . فَقَالَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1384 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , حَدَّثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْتَمِع الْوَحْي مِنْ السَّمَاء , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِثْلهَا . وَإِنَّ سُلَيْمَان أَخَذَ مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَنَهُ تَحْت كُرْسِيّه ; فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس . 1385 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَبٍ , قَالَ : لَمَّا سُلِبَ سُلَيْمَان مُلْكه كَانَتْ الشَّيَاطِين تَكْتُب السِّحْر فِي غَيْبَة سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَقْبِلْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا , وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَل كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَدْبِرْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا . فَكَتَبَتْهُ وَجَعَلَتْ عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا لِلْمَلِكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " , ثُمَّ دَفَنَتْهُ تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان قَامَ إبْلِيس خَطِيبًا فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ سُلَيْمَان لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا , فَالْتَمِسُوا سِحْره فِي مَتَاعه وَبُيُوته ! ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى الْمَكَان الَّذِي دُفِنَ فِيهِ , فَقَالُوا : وَاَللَّه لَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان سَاحِرًا , هَذَا سِحْره , بِهَذَا تَعَبَّدَنَا , وَبِهَذَا قَهَرَنَا . فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ : بَلْ كَانَ نَبِيًّا مُؤْمِنًا . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه النَّبِيّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَذْكُر الْأَنْبِيَاء حَتَّى ذَكَرَ دَاوُد وَسُلَيْمَان , فَقَالَتْ الْيَهُود : اُنْظُرُوا إلَى مُحَمَّد يَخْلِط الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , يَذْكُر سُلَيْمَان مَعَ الْأَنْبِيَاء , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا يَرْكَب الرِّيح . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة . 1386 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَذَلِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي الْمُرْسَلِينَ , قَالَ بَعْض أَحْبَار الْيَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّد يَزْعُم أَنَّ ابْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا , وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْر وَعَمَلهمْ بِهِ { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَتَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } مَا ذَكَرْنَا ; فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْكَلَام مَتْرُوكًا تُرِكَ ذِكْره اكْتِفَاء بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } مِنْ السِّحْر { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَتُضِيفهُ إلَى سُلَيْمَان , { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَيَعْمَل بِالسِّحْرِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَدْ كَانَ قَتَادَة يَتَأَوَّل قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } عَلَى مَا قُلْنَا . 1387 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } يَقُول : مَا كَانَ عَنْ مَشُورَته , وَلَا عَنْ رِضَا مِنْهُ ; وَلَكِنَّهُ شَيْء افْتَعَلَتْهُ الشَّيَاطِين دُونه . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى " تَتْلُو " , وَتَوْجِيه مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ " تَتْلُوا " بِمَعْنَى تَلَتْ , إذْ كَانَ الَّذِي قَبْله خَبَرًا مَاضِيًا وَهُوَ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا } وَتَوْجِيه الَّذِينَ وَجَّهُوا ذَلِكَ إلَى خِلَاف ذَلِكَ . وَبَيَّنَّا فِيهِ وَفِي نَظِيره الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي تَتْلُو وَهُوَ السِّحْر . 1388 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَ مَا كَانَ السِّحْر إلَّا أَيَّام سُلَيْمَان ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى قَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ سَحَرَة فِرْعَوْن مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ , وَقَدْ كَانُوا قَبْل سُلَيْمَان , وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْم نُوح أَنَّهُمْ قَالُوا لِنُوحِ إنَّهُ سَاحِر ; قَالَ : فَكَيْف أَخْبَرَ عَنْ الْيَهُود أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ , فَأَرَادَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَبْرِئَة سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ وَأَضَافُوا إلَيْهِ مِمَّا كَانُوا وَجَدُوهُ إمَّا فِي خَزَائِنه وَإِمَّا تَحْت كُرْسِيّه , عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَار الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ . فَحَصَرَ الْخَبَر عَمَّا كَانَتْ الْيَهُود اتَّبَعَتْهُ فِيمَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين أَيَّام سُلَيْمَان دُون غَيْره لِذَلِك السَّبَب . وَإِنْ كَانَ الشَّيَاطِين قَدْ كَانَتْ تَالِيَة لِلسِّحْرِ وَالْكُفْر قَبْل ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } وَلَا خَبَر مَعَنَا قَبْل عَنْ أَحَد أَنَّهُ أَضَافَ الْكُفْر إلَى سُلَيْمَان , بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَ مِنْ الْيَهُود مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين ؟ فَمَا وَجْه نَفْي الْكُفْر عَنْ سُلَيْمَان بِعَقِبِ الْخَبَر عَنْ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَتْ الشَّيَاطِين فِي الْعَمَل بِالسِّحْرِ وَرِوَايَته مِنْ الْيَهُود ؟ قِيلَ : وَجْه ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ أَضَافَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إلَيْهِمْ اتِّبَاع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْ الْيَهُود , نَسَبُوا مَا أَضَافَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إلَى الشَّيَاطِين مِنْ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد , وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِلْمه وَرِوَايَته , وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَعْبِد مَنْ يَسْتَعْبِد مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَسَائِر خَلْق اللَّه بِالسِّحْرِ . فَحَسَّنُوا بِذَلِك - مِنْ رُكُوبهمْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السِّحْر - أَنْفُسهمْ عِنْد مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَعِنْد مَنْ كَانَ لَا عِلْم لَهُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوْرَاة , وَتَبَرَّأَ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان - مِنْ سُلَيْمَان , وَهُوَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ - بَشَر , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُون كَانَ لِلَّهِ رَسُولًا , وَقَالُوا : بَلْ كَانَ سَاحِرًا . فَبَرَّأَ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر عِنْد مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَنْسُبهُ إلَى السِّحْر وَالْكُفْر لِأَسْبَابِ ادَّعَوْهَا عَلَيْهِ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهَا , وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَا حَضَرَنَا ذِكْره مِنْهَا . وَأَكْذَب الْآخَرِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالسِّحْرِ , مُتَزَيِّنِينَ عِنْد أَهْل الْجَهْل فِي عَمَلهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ سُلَيْمَان كَانَ يَعْمَلهُ . فَنَفَى اللَّه عَنْ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَكُون كَانَ سَاحِرًا أَوْ كَافِرًا , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا اتَّبَعُوا فِي عَمَلهمْ السِّحْر مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان , دُون مَا كَانَ سُلَيْمَان يَأْمُرهُمْ مِنْ طَاعَة اللَّه وَاتِّبَاع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ . ذِكْر الدَّلَائِل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ الْأَخْبَار وَالْآثَار : 1379 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ سُلَيْمَان يَتَتَبَّع مَا فِي أَيْدِي الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر , فَيَأْخُذهُ فَيَدْفِنهُ تَحْت كُرْسِيّه فِي بَيْت خِزَانَته . فَلَمْ تَقْدِر الشَّيَاطِين أَنْ يَصِلُوا إلَيْهِ , فَدَنَتْ إلَى الْإِنْس , فَقَالُوا لَهُمْ : أَتُرِيدُونَ الْعِلْم الَّذِي كَانَ سُلَيْمَان يُسَخِّر بِهِ الشَّيَاطِين وَالرِّيَاح وَغَيْر ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالُوا : فَإِنَّهُ فِي بَيْت خِزَانَته وَتَحْت كُرْسِيّه . فَاسْتِثَارَته الْإِنْس فَاسْتَخْرَجُوهُ فَعَمِلُوا بِهِ . فَقَالَ أَهْل الْحِجَاز : كَانَ سُلَيْمَان يَعْمَل بِهَذَا وَهَذَا سِحْر . فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَى لِسَان نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَة سُلَيْمَان , فَقَالَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة , فَأَنْزَلَ اللَّه بَرَاءَة سُلَيْمَان عَلَى لِسَان نَبِيّه عَلَيْهِمَا السَّلَام . 1380 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ الَّذِي أَصَابَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي سَبَب أُنَاس مِنْ أَهْل امْرَأَة يُقَال لَهَا جَرَادَة , وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَم نِسَائِهِ عَلَيْهِ , قَالَ : فَكَانَ هَوَى سُلَيْمَان أَنْ يَكُون الْحَقّ لِأَهْلِ الْجَرَادَة فَيَقْضِي لَهُمْ , فَعُوقِبَ حِين لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ فِيهِمْ وَاحِد . قَالَ : وَكَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل الْخَلَاء أَوْ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ أَعْطَى الْجَرَادَة خَاتَمه . فَلَمَّا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِي سُلَيْمَان بِاَلَّذِي ابْتَلَاهُ بِهِ , أَعْطَى الْجَرَادَة ذَات يَوْم خَاتَمه , فَجَاءَ الشَّيْطَان فِي صُورَة سُلَيْمَان فَقَالَ لَهَا : هَاتِي خَاتَمِي ! فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ , فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس . قَالَ : فَجَاءَهَا سُلَيْمَان فَقَالَ : هَاتِي خَاتَمِي ! فَقَالَتْ : كَذَبْت لَسْت بِسُلَيْمَان . قَالَ : فَعَرَفَ سُلَيْمَان أَنَّهُ بَلَاء اُبْتُلِيَ بِهِ . قَالَ : فَانْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فَكَتَبَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّام كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس وَقَالُوا : إنَّمَا كَانَ سُلَيْمَان يَغْلِب النَّاس بِهَذِهِ الْكُتُب . قَالَ : فَبَرِئَ النَّاس مِنْ سُلَيْمَان وَأَكْفَرُوهُ , حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَنْزَلَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَعْنِي الَّذِي كَتَبَ الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ وَعَذَرَهُ . 1381 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ أَبِي مِجْلَز , قَالَ : أَخَذَ سُلَيْمَان مِنْ كُلّ دَابَّة عَهْدًا , فَإِذَا أُصِيب رَجُل فَسُئِلَ بِذَلِك الْعَهْد خُلِّيَ عَنْهُ , فَرَأَى النَّاس السَّجْع وَالسِّحْر وَقَالُوا : هَذَا كَانَ يَعْمَل بِهِ سُلَيْمَان ; فَقَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1382 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عِمْرَان بْن الْحَارِث , قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْد ابْن عَبَّاس إذْ جَاءَهُ رَجُل , فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ قَالَ : مِنْ الْعِرَاق , قَالَ : مِنْ أَيّهِ ؟ قَالَ : مِنْ الْكُوفَة . قَالَ : فَمَا الْخَبَر ؟ قَالَ : تَرَكْتهمْ يَتَحَدَّثُونَ عَلِيًّا خَارِج إلَيْهِمْ . فَفَزِعَ فَقَالَ : مَا تَقُول لَا أَبَا لَك ! لَوْ شَعَرنَا مَا نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَلَا قَسَمْنَا مِيرَاثه , أَمَا إنِّي أُحَدِّثكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ الشَّيَاطِين يَسْتَرِقُونَ السَّمْع مِنْ السَّمَاء فَيَأْتِي أَحَدهمْ بِكَلِمَةِ حَقّ قَدْ سَمِعَهَا , فَإِذَا حَدَثَ مِنْهُ صِدْق كَذَبَ مَعَهَا سَبْعِينَ كِذْبَة , قَالَ : فَيَشْرَبهَا قُلُوب النَّاس ; فَأَطْلَعَ اللَّه عَلَيْهَا سُلَيْمَان فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد قَامَ شَيْطَان بِالطَّرِيقِ فَقَالَ : أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْزه الْمُمَنَّع الَّذِي لَا كَنْز مِثْله ؟ تَحْت الْكُرْسِيّ . فَأَخْرَجُوهُ فَقَالُوا : هَذَا سِحْر . فَتَنَاسَخَهَا الْأُمَم , حَتَّى بَقَايَاهُمْ مَا يَتَحَدَّث بِهِ أَهْل الْعِرَاق . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1383 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَأَعْلَمُوهُمْ إيَّاهُ . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِك سُلَيْمَان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَبَّعَ تِلْكَ الْكُتُب , فَأَتَى بِهَا فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه كَرَاهِيَة أَنْ يَتَعَلَّمهَا النَّاس . فَلَمَّا قَبَضَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان عَمَدَتْ الشَّيَاطِين فَاسْتَخْرَجُوهَا مِنْ مَكَانهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ فَعَلَّمُوهَا النَّاس , فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ هَذَا عِلْم كَانَ يَكْتُمهُ سُلَيْمَان وَيَسْتَأْثِر بِهِ . فَعَذَرَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان وَبَرَّأَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَتَبَتْ الشَّيَاطِين كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَشِرْك , ثُمَّ دَفَنَتْ تِلْكَ الْكُتُب تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان اسْتَخْرَجَ النَّاس تِلْكَ الْكُتُب , فَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَتَمْنَاهُ سُلَيْمَان . فَقَالَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1384 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , حَدَّثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْتَمِع الْوَحْي مِنْ السَّمَاء , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِثْلهَا . وَإِنَّ سُلَيْمَان أَخَذَ مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَنَهُ تَحْت كُرْسِيّه ; فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس . 1385 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَبٍ , قَالَ : لَمَّا سُلِبَ سُلَيْمَان مُلْكه كَانَتْ الشَّيَاطِين تَكْتُب السِّحْر فِي غَيْبَة سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَقْبِلْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا , وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَل كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَدْبِرْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا . فَكَتَبَتْهُ وَجَعَلَتْ عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا لِلْمَلِكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " , ثُمَّ دَفَنَتْهُ تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان قَامَ إبْلِيس خَطِيبًا فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ سُلَيْمَان لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا , فَالْتَمِسُوا سِحْره فِي مَتَاعه وَبُيُوته ! ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى الْمَكَان الَّذِي دُفِنَ فِيهِ , فَقَالُوا : وَاَللَّه لَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان سَاحِرًا , هَذَا سِحْره , بِهَذَا تَعَبَّدَنَا , وَبِهَذَا قَهَرَنَا . فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ : بَلْ كَانَ نَبِيًّا مُؤْمِنًا . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه النَّبِيّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَذْكُر الْأَنْبِيَاء حَتَّى ذَكَرَ دَاوُد وَسُلَيْمَان , فَقَالَتْ الْيَهُود : اُنْظُرُوا إلَى مُحَمَّد يَخْلِط الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , يَذْكُر سُلَيْمَان مَعَ الْأَنْبِيَاء , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا يَرْكَب الرِّيح . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة . 1386 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَذَلِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي الْمُرْسَلِينَ , قَالَ بَعْض أَحْبَار الْيَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّد يَزْعُم أَنَّ ابْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا , وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْر وَعَمَلهمْ بِهِ { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَتَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } مَا ذَكَرْنَا ; فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْكَلَام مَتْرُوكًا تُرِكَ ذِكْره اكْتِفَاء بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } مِنْ السِّحْر { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَتُضِيفهُ إلَى سُلَيْمَان , { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَيَعْمَل بِالسِّحْرِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَدْ كَانَ قَتَادَة يَتَأَوَّل قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } عَلَى مَا قُلْنَا . 1387 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } يَقُول : مَا كَانَ عَنْ مَشُورَته , وَلَا عَنْ رِضَا مِنْهُ ; وَلَكِنَّهُ شَيْء افْتَعَلَتْهُ الشَّيَاطِين دُونه . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى " تَتْلُو " , وَتَوْجِيه مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ " تَتْلُوا " بِمَعْنَى تَلَتْ , إذْ كَانَ الَّذِي قَبْله خَبَرًا مَاضِيًا وَهُوَ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا } وَتَوْجِيه الَّذِينَ وَجَّهُوا ذَلِكَ إلَى خِلَاف ذَلِكَ . وَبَيَّنَّا فِيهِ وَفِي نَظِيره الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي تَتْلُو وَهُوَ السِّحْر . 1388 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَ مَا كَانَ السِّحْر إلَّا أَيَّام سُلَيْمَان ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى قَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ سَحَرَة فِرْعَوْن مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ , وَقَدْ كَانُوا قَبْل سُلَيْمَان , وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْم نُوح أَنَّهُمْ قَالُوا لِنُوحِ إنَّهُ سَاحِر ; قَالَ : فَكَيْف أَخْبَرَ عَنْ الْيَهُود أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ , فَأَرَادَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَبْرِئَة سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ وَأَضَافُوا إلَيْهِ مِمَّا كَانُوا وَجَدُوهُ إمَّا فِي خَزَائِنه وَإِمَّا تَحْت كُرْسِيّه , عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَار الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ . فَحَصَرَ الْخَبَر عَمَّا كَانَتْ الْيَهُود اتَّبَعَتْهُ فِيمَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين أَيَّام سُلَيْمَان دُون غَيْره لِذَلِك السَّبَب . وَإِنْ كَانَ الشَّيَاطِين قَدْ كَانَتْ تَالِيَة لِلسِّحْرِ وَالْكُفْر قَبْل ذَلِكَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ الْجَحْد وَهِيَ بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1389 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَإِنَّهُ يَقُول : لَمْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر . 1390 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي حكام عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمَا السِّحْر . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس وَالرَّبِيع مِنْ تَوْجِيههمَا مَعْنَى قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى : وَلَمْ يَنْزِل عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر , وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَا أَنْزَلَ اللَّه السِّحْر عَلَى الْمَلَكَيْنِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت , فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت } مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف وَجْه تَقْدِيم ذَلِكَ ؟ قِيلَ : وَجْه تَقْدِيمه أَنْ يُقَال : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . فَيَكُون مَعْنِيًّا بِالْمَلَكَيْنِ : جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ; لِأَنَّ سَحَرَة الْيَهُود فِيمَا ذُكِرَ كَانَتْ تَزْعُم أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ السِّحْر عَلَى لِسَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد . فَأَكْذَبَهَا اللَّه بِذَلِك وَأَخْبَرَ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل لَمْ يَنْزِلَا بِسِحْرِ قَطُّ , وَبَرَّأَ سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ مِنْ السِّحْر , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ السِّحْر مِنْ عَمَل الشَّيَاطِين , وَأَنَّهَا تُعَلِّم النَّاس بِبَابِل , وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ رَجُلَانِ اسْم أَحَدهمَا هَارُوت وَاسْم الْآخَر مَارُوت ; فَيَكُون هَارُوت وَمَارُوت عَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَرْجَمَة عَلَى النَّاس وَرَدًّا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } " الَّذِي " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1391 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : قَالَ مَعْمَر , قَالَ قَتَادَة وَالزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } كَانَا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَة فَأُهْبِطَا لِيَحْكُمَا بَيْن النَّاس . وَذَلِك أَنَّ الْمَلَائِكَة سَخِرُوا مِنْ أَحْكَام بَنِي آدَم , قَالَ : فَحَاكَمَتْ إلَيْهِمَا امْرَأَة فَحَافَا لَهَا , ثُمَّ ذَهَبَا يَصْعَدَانِ , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ وَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة : فَكَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1392 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَهَذَا سِحْر آخَر خَاصَمُوهُ بِهِ أَيْضًا ; يَقُول : خَاصَمُوهُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَإِنَّ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا بَيْنهمْ إذَا عَلَّمَتْهُ الْإِنْس فَصَنَعَ وَعَمِلَ بِهِ كَانَ سِحْرًا . 1393 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّاس بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَالسِّحْر سِحْرَانِ : سِحْر تُعَلِّمهُ الشَّيَاطِين , وَسِحْر يُعَلِّمهُ هَارُوت وَمَارُوت . 1394 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } قَالَ : التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1395 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَلَا تَكْفُر } قَالَ : الشَّيَاطِين وَالْمَلَكَانِ يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْآيَة عَلَى تَأْوِيل هَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ : وَاتَّبَعَتْ الْيَهُود الَّذِي تَلَتْ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت . وَهُمَا مَلَكَانِ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه , سَنَذْكُرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَار فِي شَأْنهمَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالُوا : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر , أَمْ هَلْ يَجُوز لِمَلَائِكَتِهِ أَنْ تُعَلِّمهُ النَّاس ؟ قُلْنَا لَهُ : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ قَدْ أَنْزَلَ الْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه , وَبَيْن جَمِيع ذَلِكَ لِعِبَادِهِ , فَأَوْحَاهُ إلَى رُسُله وَأَمَرَهُمْ بِتَعْلِيمِ خَلْقه وَتَعْرِيفهمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ مِمَّا يَحْرُم عَلَيْهِمْ ; وَذَلِك كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَسَائِر الْمَعَاصِي الَّتِي عَرَفَهُمُوهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبهَا , فَالسِّحْر أَحَد تِلْكَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ الْعَمَل بِهَا . قَالُوا : لَيْسَ فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ إثْم , كَمَا لَا إثْم فِي الْعِلْم بِصَنْعَةِ الْخَمْر وَنَحْت الْأَصْنَام وَالطَّنَابِير وَالْمَلَاعِب , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي عَمَله وَتَسْوِيَته . قَالُوا : وَكَذَلِك لَا إثْم فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي الْعَمَل بِهِ وَأَنْ يَضُرّ بِهِ مَنْ لَا يَحِلّ ضُرّه بِهِ . قَالُوا : فَلَيْسَ فِي إنْزَال اللَّه إيَّاهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَلَا فِي تَعْلِيم الْمَلَكَيْنِ مَنْ عَلَّمَاهُ مِنْ النَّاس إثْم إذَا كَانَ تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَاهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِهِ بَعْد أَنْ يُخْبِرَاهُ بِأَنَّهُمَا فِتْنَة وَيَنْهَاهُ عَنْ السِّحْر وَالْعَمَل بِهِ وَالْكُفْر ; وَإِنَّمَا الْإِثْم عَلَى مَنْ يَتَعَلَّمهُ مِنْهُمَا وَيَعْمَل بِهِ , إذْ كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ نَهَاهُ عَنْ تَعَلُّمه وَالْعَمَل بِهِ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ اللَّه أَبَاحَ لِبَنِي آدَم أَنْ يَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ مِنْ تَعَلُّمه حَرَجًا , كَمَا لَمْ يَكُونَا حَرِجَيْنِ لِعِلْمِهِمَا بِهِ , إذْ كَانَ عِلْمهمَا بِذَلِك عَنْ تَنْزِيل اللَّه إلَيْهِمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " مَا " مَعْنَى " الَّذِي " , وَهِيَ عَطْف عَلَى " مَا " الْأُولَى , غَيْر أَنَّ الْأُولَى فِي مَعْنَى السِّحْر وَالْآخِرَة فِي مَعْنَى التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل : وَاتَّبَعُوا السِّحْر الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان , وَالتَّفْرِيق الَّذِي بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1396 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح . عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } وَهُمَا يَعْلَمَانِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } وَكَانَ يَقُول : أَمَّا السِّحْر فَإِنَّمَا يَعْلَمهُ الشَّيَاطِين , وَأَمَّا الَّذِي يَعْلَم الْمَلَكَانِ فَالتَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَجَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1397 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْث بْن سَعْد , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ قَوْل اللَّه { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَقَالَ الرَّجُل : يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , أَمْ يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ الْقَاسِم : مَا أُبَالِي أَيَّتهمَا كَانَتْ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عِيَاض , عَنْ بَعْض أَصْحَابه , أَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد سُئِلَ عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقِيلَ لَهُ : أُنْزِلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل ؟ فَقَالَ : لَا أُبَالِي أَيّ ذَلِكَ كَانَ , إلَّا أَنِّي آمَنْت بِهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ وَجَّهَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى مَعْنَى " الَّذِي " دُون مَعْنَى " مَا " الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْد . وَإِنَّمَا اخْتَرْت ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّ " مَا " إنْ وُجِّهَتْ إلَى مَعْنَى الْجَحْد , فَتَنْفِي عَنْ الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَكُونَا مُنَزَّلًا إلَيْهِمَا . وَلَمْ يَخْلُ الِاسْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدهمَا - أَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - مِنْ أَنْ يَكُونَا بَدَلًا مِنْهُمَا وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا , أَوْ بَدَلًا مِنْ النَّاس فِي قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا . فَإِنْ جُعِلَا بَدَلًا مِنْ الْمَلَكَيْنِ وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا بَطَلَ مَعْنَى قَوْله : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِمَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَمَا الَّذِي يَتَعَلَّم مِنْهُمَا مَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَبَعْد , فَإِنَّ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إنْ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْجَحْد عَطْفًا عَلَى قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَإِنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ نَفَى بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } عَنْ سُلَيْمَان أَنْ يَكُون السِّحْر مِنْ عَمَله , أَوْ مِنْ عِلْمه أَوْ تَعْلِيمه . فَإِنْ كَانَ الَّذِي نَفَى عَنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ ذَلِكَ نَظِير الَّذِي نَفَى عَنْ سُلَيْمَان مِنْهُ , وَهَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ , فَمَنْ الْمُتَعَلَّمِ مِنْهُ إذًا مَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَعَمَّنْ الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } ؟ إنَّ خَطَأ هَذَا الْقَوْل لَوَاضِح بَيِّن . وَإِنْ كَانَ قَوْله " هَارُوت وَمَارُوت " تَرْجَمَة مِنْ النَّاس الَّذِينَ فِي قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي تُعَلِّم هَارُوت وَمَارُوت السِّحْر , وَتَكُون السَّحَرَة إنَّمَا تَعَلَّمَتْ السِّحْر مِنْ هَارُوت وَمَارُوت عَنْ تَعْلِيم الشَّيَاطِين إيَّاهُمَا . فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَنْ يَخْلُو هَارُوت وَمَارُوت عِنْد قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ أَحَد أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنِ , فَإِنْ كَانَا عِنْده مَلَكَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُمَا مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ بِنِسْبَتِهِ إيَّاهُمَا إلَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّمَانِ مِنْ الشَّيَاطِين السِّحْر وَيُعَلِّمَانِهِ النَّاس , وَإِصْرَارهمَا عَلَى ذَلِكَ وَمَقَامهمَا عَلَيْهِ أَعْظَم مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ مِنْ الْمَعْصِيَة الَّتِي اسْتَحَقَّا عَلَيْهَا الْعِقَاب , وَفِي خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا مَا يَتَعَلَّم مِنْهُمَا حَتَّى يَقُولَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } مَا يُغْنِي عَنْ الْإِكْثَار فِي الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ هَذَا الْقَوْل . أَوْ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم ; فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَانَ يَجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا قَدْ ارْتَفَعَ السِّحْر وَالْعِلْم بِهِ وَالْعَمَل مِنْ بَنِي آدَم ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَلهمَا يُؤْخَذ وَمِنْهُمَا يُتَعَلَّم , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا وَعَدَم وُجُودهمَا عُدِمَ السَّبِيل إلَى الْوُصُول إلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لَا يُوصَل إلَيْهِ إلَّا بِهِمَا ; وَفِي وُجُود السِّحْر فِي كُلّ زَمَان وَوَقْت أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى فَسَاد هَذَا الْقَوْل . وَقَدْ يَزْعُم قَائِل ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَم , لَمْ يُعْدَمَا مِنْ الْأَرْض مُنْذُ خُلِقَتْ , وَلَا يُعْدَمَانِ بَعْد مَا وُجِدَ السِّحْر فِي النَّاس . فَيَدَّعِي مَا لَا يَخْفَى بِطُولِهِ . فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْوُجُوه الَّتِي دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادهَا , فَبَيِّن أَنَّ مَعْنَى : { مَا } الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَأَنَّ هَارُوت وَمَارُوت مُتَرْجَم بِهِمَا عَنْ الْمَلَكَيْنِ ; وَلِذَلِك فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا , لِأَنَّهُمَا فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا لَا يُجَرَّانِ فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا . فَإِنْ الْتَبَسَ عَلَى ذِي غَبَاء مَا قُلْنَا , فَقَالَ : وَكَيْف يَجُوز لِمَلَائِكَةِ اللَّه أَنْ تُعَلِّم النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ أَمْ كَيْف يَجُوز أَنْ يُضَاف إلَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْزَال ذَلِكَ عَلَى الْمَلَائِكَة ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَرَّفَ عِبَاده جَمِيع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَجَمِيع مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ بَعْد الْعِلْم مِنْهُمْ بِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْهُ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى غَيْر ذَلِكَ , لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي مَعْنَى مَفْهُوم ; فَالسِّحْر مِمَّا قَدْ نَهَى عِبَاده مِنْ بَنِي آدَم عَنْهُ , فَغَيْر مُنْكَر أَنْ يَكُون جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَّمَهُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا فِي تَنْزِيله وَجَعَلَهُمَا فِتْنَة لِعِبَادِهِ مِنْ بَنِي آدَم كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لِمَنْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } لِيَخْتَبِر بِهِمَا عِبَاده الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه وَعَنْ السِّحْر , فَيُمَحِّص الْمُؤْمِن بِتَرْكِهِ التَّعَلُّم مِنْهُمَا , وَيُخْزِي الْكَافِر بِتَعَلُّمِهِ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْهُمَا , وَيَكُون الْمَلَكَانِ فِي تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَا ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعِينَ , إذْ كَانَا عَنْ إذْن اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِ ذَلِكَ مَنْ عَلَّمَاهُ يَعْلَمَانِ . وَقَدْ عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه جَمَاعَة مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ ضَائِرًا إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِمْ إيَّاهُمْ بِهِ , بَلْ عَبَدَ بَعْضهمْ وَالْمَعْبُود عَنْهُ نَاهٍ , فَكَذَلِك الْمَلَكَانِ غَيْر ضَائِرهمَا سِحْر مَنْ سَحَرَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بَعْد نَهْيهمَا إيَّاهُ عَنْهُ وَعِظَتهمَا لَهُ بِقَوْلِهِمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } إذْ كَانَا قَدْ أَدَّيَا مَا أُمِرَ بِهِ بِقَيْلِهِمَا ذَلِكَ . كَمَا : 1398 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } إلَى قَوْله : { فَلَا تَكْفُر } أَخَذَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ . ذِكْر بَعْض الْأَخْبَار الَّتِي فِي بَيَان الْمَلَكَيْنِ , وَمَنْ قَالَ إنَّ هَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { بِبَابِل } 1399 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا أَبُو شُعْبَة الْعَدَوِيّ فِي جِنَازَة يُونُس بْن جُبَيْر أَبِي غَلَّاب , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : إنَّ اللَّه أَفْرَج السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ يَنْظُرُونَ إلَى أَعْمَال بَنِي آدَم , فَلَمَّا أَبْصَرُوهُمْ يَعْمَلُونَ الْخَطَايَا , قَالُوا : يَا رَبّ هَؤُلَاءِ بَنُو آدَم الَّذِي خَلَقْته بِيَدِك , وَأَسْجَدْت لَهُ مَلَائِكَتك , وَعَلَّمْته أَسْمَاء كُلّ شَيْء , يَعْمَلُونَ بِالْخَطَايَا . قَالَ : أَمَا إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ لَعَمِلْتُمْ مِثْل أَعْمَالهمْ . قَالُوا : سُبْحَانك مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا , قَالَ : فَأُمِرُوا أَنْ يَخْتَارُوا مَنْ يَهْبِط إلَى الْأَرْض . قَالَ : فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَأُحِلّ لَهُمَا مَا فِيهَا مِنْ شَيْء غَيْر أَنْ لَا يُشْرِكَا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقَا , وَلَا يَزْنِيَا , وَلَا يَشْرَبَا الْخَمْر , وَلَا يَقْتُلَا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إلَّا بِالْحَقِّ . قَالَ : فَمَا اسْتَمَرَّا حَتَّى عَرَضَ لَهُمَا امْرَأَة قَدْ قُسِمَ لَهَا نِصْف الْحُسْن يُقَال لَهَا " بيذخت " , فَلَمَّا أَبْصَرَاهَا أَرَادَا بِهَا زِنَا , فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تُشْرِكَا بِاَللَّهِ وَتَشْرَبَا الْخَمْر وَتَقْتُلَا النَّفْس وَتَسْجُدَا لِهَذَا الصَّنَم . فَقَالَا : مَا كُنَّا لِنُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا . فَقَالَ أَحَدهمَا لِلْآخَرِ : ارْجِعْ إلَيْهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَا أَنْ تَشْرَبَا الْخَمْر ! فَشَرِبَا حَتَّى ثَمِلَا , وَدَخَلَ عَلَيْهِمَا سَائِل فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الشَّرّ , أَفْرَجَ اللَّه السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ , فَقَالُوا : سُبْحَانك كُنْت أَعْلَم ! قَالَ : فَأَوْحَى اللَّه إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد أَنْ يُخَيِّرهُمَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَكُبِّلَا مِنْ أَكْعُبِهِمَا إلَى أَعْنَاقهمَا بِمِثْلِ أَعْنَاق الْبُخْت وَجُعِلَا بِبَابِل . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا : لَمَّا كَثُرَ بَنُو آدَم وَعَصَوْا , دَعَتْ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ وَالْأَرْض وَالسَّمَاء وَالْجِبَال : رَبّنَا أَلَّا تُهْلِكهُمْ ؟ فَأَوْحَى اللَّه إلَى الْمَلَائِكَة : إنِّي لَوْ أَنْزَلْت الشَّهْوَة وَالشَّيْطَان مِنْ قُلُوبكُمْ وَنَزَلْتُمْ لَفَعَلْتُمْ أَيْضًا . قَالَ : فَحَدَّثُوا أَنْفُسهمْ أَنْ لَوْ اُبْتُلُوا اعْتَصَمُوا . فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِمْ أَنْ اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ أَفْضَلكُمْ . فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض وَأُنْزِلَتْ الزَّهْرَة إلَيْهِمَا فِي صُورَة امْرَأَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَكَانَ أَهْل فَارِس يُسَمُّونَهَا " بيذخت " . قَالَ : فَوَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ , فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } . فَلَمَّا وَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْض : { أَلَا إنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم } فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . 1400 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَمْرو بْن سَعِيد , قَالَ سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : كَانَتْ الزَّهْرَة امْرَأَة جَمِيلَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَإِنَّهَا خَاصَمَتْ إلَى الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسهَا , فَأَبَتْ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الْكَلَام الَّذِي إذَا تَكَلَّمَ بِهِ يَعْرُج بِهِ إلَى السَّمَاء . فَعَلَّمَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَعَرَجَتْ إلَى السَّمَاء فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا . 1401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُؤَمَّل بْن إسْمَاعِيل , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ الثَّوْرِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن عُقْبَة , عَنْ سَالِم , عَنْ ابْن عُمَر , عَنْ كَعْب , قَالَ : ذَكَرَتْ الْمَلَائِكَة أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ اثْنَيْنِ - وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ - فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل إلَى بَنِي آدَم رُسُلًا , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ رَسُول , انْزِلَا لَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا , وَلَا تَشْرَبَا الْخَمْر ! قَالَ كَعْب : فَوَاَللَّهِ مَا أَمْسَيَا مِنْ يَوْمهمَا الَّذِي أُهْبِطَا فِيهِ إلَى الْأَرْض , حَتَّى اسْتَكْمَلَا جَمِيع مَا نُهِيَا عَنْهُ . وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : فَمَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ حَتَّى عَمِلَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِم أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه يُحَدِّث عَنْ كَعْب الْأَحْبَار , أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ الْمَلَائِكَة أَنْكَرُوا أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ فِي الْأَرْض مِنْ الْمَعَاصِي , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ أَتَيْتُمْ مَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب فَاخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ اللَّه لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل رُسُلِي إلَى النَّاس , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , انْزِلَا إلَى الْأَرْض , وَلَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا ! فَقَالَ كَعْب : وَاَلَّذِي نَفْس كَعْب بِيَدِهِ مَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي نَزَلَا فِيهِ حَتَّى أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . 1402 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمْر هَارُوت وَمَارُوت أَنَّهُمَا طَعَنَا عَلَى أَهْل الْأَرْض فِي أَحْكَامهمْ , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أَعْطَيْت ابْن آدَم عَشْرًا مِنْ الشَّهَوَات فَبِهَا يَعْصُونَنِي . قَالَ هَارُوت وَمَارُوت : رَبّنَا لَوْ أَعْطَيْتنَا تِلْكَ الشَّهَوَات ثُمَّ نَزَلْنَا لَحَكَمْنَا بِالْعَدْلِ . فَقَالَ لَهُمَا : انْزِلَا فَقَدْ أَعْطَيْتُكُمَا تِلْكَ الشَّهَوَات الْعَشْر فَاحْكُمَا بَيْن النَّاس ! فَنَزَلَا بِبَابِل دنباوند , فَكَانَا يَحْكُمَانِ , حَتَّى إذَا أَمْسَيَا عَرَجَا , فَإِذَا أَصْبَحَا هَبَطَا . فَلَمْ يَزَالَا كَذَلِك حَتَّى أَتَتْهُمَا امْرَأَة تُخَاصِم زَوْجهَا , فَأَعْجَبَهُمَا حُسْنهَا وَاسْمهَا بِالْعَرَبِيَّةِ " الزَّهْرَة " , وَبِالنَّبَطِيَّةِ " بيذخت " , وَاسْمهَا بِالْفَارِسِيَّةِ " واناهيذ " , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : إنَّهَا لَتُعْجِبنِي . فَقَالَ الْآخَر : قَدْ أَرَدْت أَنْ أَذْكُر لَك فَاسْتَحْيَيْت مِنْك . فَقَالَ الْآخَر : هَلْ لَك أَنْ أَذْكُرهَا لِنَفْسِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَلَكِنْ كَيْف لَنَا بِعَذَابِ اللَّه ؟ قَالَ الْآخَر : إنَّا نَرْجُو رَحْمَة اللَّه . فَلَمَّا جَاءَتْ تُخَاصِم زَوْجهَا ذَكَرَا إلَيْهَا نَفْسهَا , فَقَالَتْ : لَا حَتَّى تَقْضِيَا لِي عَلَى زَوْجِي , فَقَضَيَا لَهَا عَلَى زَوْجهَا . ثُمَّ وَاعَدَتْهُمَا خَرِبَة مِنْ الْخُرْب يَأْتِيَانِهَا فِيهَا , فَأَتَيَاهَا لِذَلِك , فَلَمَّا أَرَادَ الَّذِي يُوَاقِعهَا , قَالَتْ : مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَفْعَل حَتَّى تُخْبِرَانِي بِأَيِّ كَلَام تَصْعَدَانِ إلَى السَّمَاء ؟ وَبِأَيِّ كَلَام تَنْزِلَانِ مِنْهَا ؟ فَأَخْبَرَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَصَعِدَتْ . فَأَنْسَاهَا اللَّه مَا تَنْزِل بِهِ فَبَقِيَتْ مَكَانهَا , وَجَعَلَهَا اللَّه كَوْكَبًا - فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كُلَّمَا رَآهَا لَعَنَهَا وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي فَتَنَتْ هَارُوت وَمَارُوت - فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا فَلَمْ يَسْتَطِيعَا فَعَرَفَا الْهَلَك , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا مِنْ عَذَاب الْآخِرَة , فَعُلِّقَا بِبَابِل فَجُعِلَا يُكَلِّمَانِ النَّاس كَلَامهمَا وَهُوَ السِّحْر . 1403 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ , ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا وَقَعَ النَّاس مِنْ بَعْد آدَم فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْكُفْر بِاَللَّهِ , قَالَتْ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء : أَيْ رَبّ هَذَا الْعَالَم إنَّمَا خَلَقْتهمْ لِعِبَادَتِك وَطَاعَتك , وَقَدْ رَكِبُوا الْكُفْر وَقَتْل النَّفْس الْحَرَام وَأَكْل الْمَال الْحَرَام وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر ! فَحَمَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْذُرُونَهُمْ . فَقِيلَ لَهُمْ : إنَّهُمْ فِي غَيْب ! فَلَمْ يَعْذُرُوهُمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ آمُرهُمَا بِأَمْرِي , وَأَنْهَاهُمَا عَنْ مَعْصِيَتِي ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَحَمَلَ بِهِمَا شَهَوَات بَنِي آدَم , وَأُمِرَا أَنْ يَعْبُدَا اللَّه وَلَا يُشْرِكَا بِهِ شَيْئًا , وَنُهِيَا عَنْ قَتْل النَّفْس الْحَرَام , وَأَكْل الْمَال الْحَرَام , وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر . فَلَبِثَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَرْض زَمَانًا يَحْكُمَانِ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ , وَذَلِك فِي زَمَان إدْرِيس , وَفِي ذَلِكَ الزَّمَان امْرَأَة حُسْنهَا فِي سَائِر النَّاس كَحُسْنِ الزَّهْرَة فِي سَائِر الْكَوْكَب . وَإِنَّهَا أَتَتْ عَلَيْهِمَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ , وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا , وَإِنَّهَا أَبَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى أَمْرهَا وَدِينهَا , وَإِنَّهُمَا سَأَلَاهَا عَنْ دِينهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَتْ لَهُمَا صَنَمًا وَقَالَتْ : هَذَا أَعْبُد . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَذَهَبَا فَصَبَرَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ أَتَيَا عَلَيْهَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تَكُونَا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَعْبُدَا الصَّنَم , قَالَتْ لَهُمَا : اخْتَارَا إحْدَى الْخِلَال الثَّلَاث : إمَّا أَنْ تَعْبُدَا الصَّنَم , أَوْ تَقْتُلَا النَّفْس , أَوْ تَشْرَبَا الْخَمْر . فَقَالَا : كُلّ هَذَا لَا يَنْبَغِي , وَأَهْوَن الثَّلَاثَة شُرْب الْخَمْر . فَسَقَتْهُمَا الْخَمْر , حَتَّى إذَا أَخَذَتْ الْخَمْر فِيهِمَا وَقَعَا بِهَا , فَمَرَّ بِهِمَا إنْسَان وَهُمَا فِي ذَلِكَ , فَخَشِيَا أَنْ يُفْشِي عَلَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ عَنْهُمَا السُّكْر عَرَفَا مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة وَأَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا إلَى السَّمَاء فَلَمْ يَسْتَطِيعَا , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ , وَكُشِفَ الْغِطَاء بَيْنهمَا وَبَيْن أَهْل السَّمَاء . فَنَظَرَتْ الْمَلَائِكَة إلَى مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الذَّنْب , فَعَجِبُوا كُلّ الْعَجَب , وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَيْب فَهُوَ أَقَلّ غَشْيَة , فَجَعَلُوا بَعْد ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْض . وَإِنَّهُمَا لَمَّا وَقَعَا فِيمَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة , قِيلَ لَهُمَا : اخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا أَوْ عَذَاب الْآخِرَة ! فَقَالَا : أَمَّا عَذَاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَنْقَطِع وَأَمَّا عَذَاب الْآخِرَة فَلَا انْقِطَاع لَهُ . فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَجُعِلَا بِبَابِل , فَهُمَا يُعَذَّبَانِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا فَرَج بْن فَضَالَةَ , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ نَافِع , قَالَ : سَافَرْت مَعَ ابْن عُمَر , فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِر اللَّيْل قَالَ : يَا نَافِع اُنْظُرْ طَلَعَتْ الْحَمْرَاء ! قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . ثُمَّ قُلْت : قَدْ طَلَعَتْ . قَالَ : لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا ! قُلْت : سُبْحَان اللَّه نَجْم مُسَخَّر سَامِع مُطِيع ؟ قَالَ : مَا قُلْت لَك إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَقَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ : يَا رَبّ كَيْف صَبْرك عَلَى بَنِي آدَم فِي الْخَطَايَا وَالذُّنُوب ؟ قَالَ : إنِّي ابْتَلَيْتهمْ وَعَافَيْتُكُمْ . قَالُوا : لَوْ كُنَّا مَكَانهمْ مَا عَصَيْنَاك . قَالَ : فَاخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْكُمْ ! قَالَ : فَلَمْ يَأْلُوا أَنْ يَخْتَارُوا , فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت " . 1404 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : وَأَمَّا شَأْن هَارُوت وَمَارُوت , فَإِنَّ الْمَلَائِكَة عَجِبْت مِنْ ظُلْم بَنِي آدَم وَقَدْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل وَالْكُتُب وَالْبَيِّنَات , فَقَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ أُنْزِلهُمَا يَحْكُمَانِ فِي الْأَرْض بَيْن بَنِي آدَم ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ لَهُمَا حِين أَنْزَلَهُمَا : عَجِبْتُمَا مِنْ بَنِي آدَم وَمِنْ ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَإِنَّمَا تَأْتِيهِمْ الرُّسُل وَالْكُتُب مِنْ وَرَاء وَرَاء , وَأَنْتُمَا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , فَافْعَلَا كَذَا وَكَذَا , وَدَعَا كَذَا وَكَذَا ! فَأَمَرَهُمَا بِأَمْرِ وَنَهَاهُمَا . ثُمَّ نَزَلَا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ أَحَد لِلَّهِ أَطْوَع مِنْهُمَا , فَحَكَمَا فَعَدَلَا , فَكَانَا يَحْكُمَانِ النَّهَار بَيْن بَنِي آدَم , فَإِذَا أَمْسَيَا عَرَجَا وَكَانَا مَعَ الْمَلَائِكَة , وَيَنْزِلَانِ حِين يُصْبِحَانِ فَيَحْكُمَانِ فَيَعْدِلَانِ . حَتَّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمَا الزَّهْرَة فِي أَحْسَن صُورَة امْرَأَة تُخَاصِم , فَقَضَيَا عَلَيْهَا . فَلَمَّا قَامَتْ وَجَدَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي نَفْسه , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : وَجَدْت مِثْل مَا وَجَدْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَبَعَثَا إلَيْهَا أَنْ ائْتِينَا نَقْضِ لَك . فَلَمَّا رَجَعَتْ قَالَا لَهَا وَقَضَيَا لَهَا : ائْتِينَا ! فَأَتَتْهُمَا , فَكَشَفَا لَهَا عَنْ عَوْرَتهمَا . وَإِنَّمَا كَانَتْ شَهْوَتهمَا فِي أَنْفُسهمَا وَلَمْ يَكُونَا كَبَنِي آدَم فِي شَهْوَة النِّسَاء وَلَذَّتهَا . فَلَمَّا بَلَغَا ذَلِكَ وَاسْتَحَلَّاهُ وَافْتَتَنَا , طَارَتْ الزَّهْرَة فَرَجَعَتْ حَيْثُ كَانَتْ . فَلَمَّا أَمْسَيَا عَرَجَا فَرُدَّا وَلَمْ يُؤْذَن لَهُمَا وَلَمْ تَحْمِلهُمَا أَجْنِحَتهمَا ; فَاسْتَغَاثَا بِرَجُلِ مِنْ بَنِي آدَم , فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : اُدْعُ لَنَا رَبّك ! فَقَالَ : كَيْف يَشْفَع أَهْل الْأَرْض لِأَهْلِ السَّمَاء ؟ قَالَا : سَمِعْنَا رَبّك يَذْكُرك بِخَيْرِ فِي السَّمَاء . فَوَعَدَهُمَا يَوْمًا وَغَدًا يَدْعُو لَهُمَا . فَدَعَا لَهُمَا فَاسْتُجِيبَ لَهُ , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . فَنَظَرَ أَحَدهمَا إلَى صَاحِبه فَقَالَا : نَعْلَم أَنَّ أَنْوَاع عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة كَذَا وَكَذَا فِي الْخُلْد وَمَعَ الدُّنْيَا سَبْع مَرَّات مِثْلهَا . فَأُمِرَا أَنْ يَنْزِلَا بِبَابِل , فَثَمَّ عَذَابهمَا . وَزُعِمَ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فِي الْحَدِيد مَطْوِيَّانِ يَصْفِقَانِ بِأَجْنِحَتِهِمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَحُكِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } يَعْنِي بِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِذَلِك مِنْ جِهَة الِاسْتِدْلَال ; فَأَمَّا مِنْ جِهَة النَّقْل فَإِجْمَاع الْحُجَّة عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِهَا مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَفَى بِذَلِك شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا . وَأَمَّا قَوْله { بِبَابِل } فَإِنَّهُ اسْم قَرْيَة أَوْ مَوْضِع مِنْ مَوَاضِع الْأَرْض . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّهَا بَابِل دنباوند . * - حَدَّثَنِي بِذَلِك مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ بَابِل الْعِرَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1405 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة ذَكَرَتْهَا عَنْ امْرَأَة قَدِمَتْ الْمَدِينَة , فَذَكَرَتْ أَنَّهَا صَارَتْ فِي الْعِرَاق بِبَابِل , فَأَتَتْ بِهَا هَارُوت وَمَارُوت فَتَعَلَّمَتْ مِنْهُمَا السِّحْر . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّحْر , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ خِدَع وَمَخَارِيق وَمَعَانٍ يَفْعَلهَا السَّاحِر , حَتَّى يُخَيَّل إلَى الْمَسْحُور الشَّيْء أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ نَظِير الَّذِي يَرَى السَّرَاب مِنْ بَعِيد , فَيُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ مَاء , وَيَرَى الشَّيْء مِنْ بَعِيد فَيُثْبِتهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى حَقِيقَته . وَكَرَاكِبِ السَّفِينَة السَّائِرَة سَيْرًا حَثِيثًا يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّ مَا عَايَنَ مِنْ الْأَشْجَار وَالْجِبَال سَائِر مَعَهُ . قَالُوا : فَكَذَلِك الْمَسْحُور ذَلِكَ صِفَته , يَحْسِب بَعْد الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ سِحْر السَّاحِر أَنَّ الَّذِي يَرَاهُ أَوْ يَفْعَلهُ بِخِلَافِ الَّذِي هُوَ بِهِ عَلَى حَقِيقَته . كَاَلَّذِي : 1406 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْوَلِيد , وَسُفْيَان بْن وَكِيع قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُحِرَ كَانَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَمْ يَفْعَلهُ . 1407 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : اثْنَا ابْن نُمَيْر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُود بَنِي زُرَيْق يُقَال لَهُ لَبِيد بْن الْأَعْصَم , حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَمَا يَفْعَلهُ . 1408 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : كَانَ عُرْوَة بْن الزَّبِير وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب يُحَدِّثَانِ : أَنَّ يَهُود بَنِي زُرَيْق عَقَدُوا عُقَدَ سِحْر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَعَلُوهَا فِي بِئْر حُزَم حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه يُنْكِر بَصَره وَدَلَّهُ اللَّه عَلَى مَا صَنَعُوا . فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بِئْر حُزَم الَّتِي فِيهَا الْعُقَد فَانْتَزَعَهَا , فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " سَحَرَتْنِي يَهُود بَنِي زُرَيْق " . وَأَنْكَرَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنْ يَكُون السَّاحِر يَقْدِر بِسِحْرِهِ عَلَى قَلْب شَيْء عَنْ حَقِيقَته , وَاسْتِسْخَار شَيْء مِنْ خَلْق اللَّه إلَّا نَظِير الَّذِي يَقْدِر عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَائِر بَنِي آدَم , أَوْ إنْشَاء شَيْء مِنْ الْأَجْسَام سِوَى الْمَخَارِيق وَالْخُدَع الْمُتَخَيَّلَة لِأَبْصَارِ النَّاطِرِينَ بِخِلَافِ حَقَائِقهَا الَّتِي وَصَفْنَا . وَقَالُوا : لَوْ كَانَ فِي وُسْع السَّحَرَة إنْشَاء الْأَجْسَام وَقَلْب لِحَقَائِق الْأَعْيَان عَمَّا هِيَ بِهِ مِنْ الْهَيْئَات , لَمْ يَكُنْ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فَصْل , وَلَجَازَ أَنْ تَكُون جَمِيع الْمَحْسُوسَات مِمَّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَة فَقَلَبَتْ أَعْيَانهَا . قَالُوا : وَفِي وَصْف اللَّه جَلّ وَعَزَّ سَحَرَة فِرْعَوْن بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ يُخَيَّل إلَيْهِ مِنْ سِحْرهمْ أَنَّهَا تَسْعَى } . وَفِي خَبَر عَائِشَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ كَانَ إذَا سُحِرَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَا يَفْعَلهُ , أَوْضَح الدَّلَالَة عَلَى بُطُول دَعْوَى الْمُدَّعِينَ : أَنَّ السَّاحِر يُنْشِئ أَعْيَانِ الْأَشْيَاء بِسِحْرِهِ , وَيَسْتَسْخِر مَا يَتَعَذَّر اسْتِسْخَاره عَلَى غَيْره مِنْ بَنِي آدَم . كَالْمَوَاتِ وَالْجَمَاد وَالْحَيَوَان , وَصِحَّة مَا قُلْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ يَقْدِر السَّاحِر بِسِحْرِهِ أَنْ يُحَوِّل الْإِنْسَان حِمَارًا , وَأَنْ يَسْحَر الْإِنْسَان وَالْحِمَار وَيُنْشِئ أَعْيَانًا وَأَجْسَامًا . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 1409 - حَدَّثَنَا بِهِ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي الزِّنَاد , قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأَة مِنْ أَهْل دَوْمَة الْجَنْدَل , جَاءَتْ تَبْتَغِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَوْته حَدَاثَة ذَلِكَ , تَسْأَلهُ عَنْ شَيْء دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ أَمْر السِّحْر وَلَمْ تَعْمَل بِهِ . قَالَتْ عَائِشَة لِعُرْوَة : يَا ابْن أُخْتِي , فَرَأَيْتهَا تَبْكِي حِين لَمْ تَجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْفِيهَا , كَانَتْ تَبْكِي حَتَّى إنِّي لَأَرْحَمهَا , وَتَقُول : إنِّي لَأَخَاف أَنْ أَكُون قَدْ هَلَكْت , كَانَ لِي زَوْج فَغَابَ عَنِّي , فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوز فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَيْهَا , فَقَالَتْ : إنْ فَعَلْت مَا آمُرك بِهِ فَأَجْعَلهُ يَأْتِيك , فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ , فَرَكِبَتْ أَحَدهمَا وَرَكِبَتْ الْآخَر , فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءِ حَتَّى وَقَفْنَا بِبَابِل , فَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا , فَقَالَا : مَا جَاءَ بِك ؟ فَقُلْت : أَتَعْلَمُ السِّحْر ؟ فَقَالَا : أَمَّا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُرِي وَارْجِعِي , فَأَبَيْت وَقُلْت : لَا , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت فَفَزِعْت فَلَمْ أَفْعَل , فَرَجَعْت إلَيْهِمَا , فَقَالَا : أَفَعَلْت ؟ قُلْت : نَعَمْ , فَقَالَا : فَهَلْ رَأَيْت شَيْئًا ؟ قُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا لِي : لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت , فَاقْشَعْرَرْت وَخِفْت . ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : فَمَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا : كَذَبْت لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي , فَإِنَّك عَلَى رَأْس أَمْرك ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت إلَيْهِ فَبُلْت فِيهِ , فَرَأَيْت فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدِ خَرَجَ مِنِّي حَتَّى ذَهَبَ فِي السَّمَاء وَغَابَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَجِئْتهمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : مَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : فَارِسًا مُتَقَنِّعًا خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاء حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَقَالَا : صَدَقْت , ذَلِكَ إيمَانك خَرَجَ مِنْك اذْهَبِي ! فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : وَاَللَّه مَا أَعْلَم شَيْئًا وَمَا قَالَا لِي شَيْئًا , فَقَالَتْ : بَلَى , لَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلَّا كَانَ , خُذِي هَذَا الْقَمْح فَابْذُرِي ! فَبَذَرَتْ , فَقُلْت : أَطْلِعِي ! فَأَطْلَعَتْ , وَقُلْت : أَحْقِلِي ! فَأَحْقَلَتْ , ثُمَّ قُلْت : اُفْرُكِي ! فَأَفْرَكَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَيْبِسِي ! فَأَيْبَسَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَطْحِنِي ! فَأَطْحَنَتْ , ثُمَّ قُلْت : اخْبِزِي ! فَأَخْبَزَتْ . فَلَمَّا رَأَيْت أَنِّي لَا أُرِيد شَيْئًا إلَّا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي وَنَدِمْت وَاَللَّه يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَاَللَّه مَا فَعَلْت شَيْئًا قَطُّ وَلَا أَفْعَلهُ أَبَدًا . قَالَ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا , وَقَالُوا : لَوْلَا أَنَّ السَّاحِر يَقْدِر عَلَى فِعْل مَا ادَّعَى أَنَّهُ يَقْدِر عَلَى فِعْله مَا قَدَرَ أَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك لَوْ كَانَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة وَكَانَ عَلَى وَجْه التَّخْيِيل وَالْحُسْبَان , لَمْ يَكُنْ تَفْرِيقًا عَلَى صِحَّة , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ عَلَى صِحَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السِّحْر أَخَذَ بِالْعَيْنِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ الْجَحْد وَهِيَ بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1389 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَإِنَّهُ يَقُول : لَمْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر . 1390 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي حكام عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمَا السِّحْر . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس وَالرَّبِيع مِنْ تَوْجِيههمَا مَعْنَى قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى : وَلَمْ يَنْزِل عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر , وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَا أَنْزَلَ اللَّه السِّحْر عَلَى الْمَلَكَيْنِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت , فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت } مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف وَجْه تَقْدِيم ذَلِكَ ؟ قِيلَ : وَجْه تَقْدِيمه أَنْ يُقَال : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . فَيَكُون مَعْنِيًّا بِالْمَلَكَيْنِ : جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ; لِأَنَّ سَحَرَة الْيَهُود فِيمَا ذُكِرَ كَانَتْ تَزْعُم أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ السِّحْر عَلَى لِسَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد . فَأَكْذَبَهَا اللَّه بِذَلِك وَأَخْبَرَ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل لَمْ يَنْزِلَا بِسِحْرِ قَطُّ , وَبَرَّأَ سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ مِنْ السِّحْر , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ السِّحْر مِنْ عَمَل الشَّيَاطِين , وَأَنَّهَا تُعَلِّم النَّاس بِبَابِل , وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ رَجُلَانِ اسْم أَحَدهمَا هَارُوت وَاسْم الْآخَر مَارُوت ; فَيَكُون هَارُوت وَمَارُوت عَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَرْجَمَة عَلَى النَّاس وَرَدًّا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } " الَّذِي " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1391 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : قَالَ مَعْمَر , قَالَ قَتَادَة وَالزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } كَانَا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَة فَأُهْبِطَا لِيَحْكُمَا بَيْن النَّاس . وَذَلِك أَنَّ الْمَلَائِكَة سَخِرُوا مِنْ أَحْكَام بَنِي آدَم , قَالَ : فَحَاكَمَتْ إلَيْهِمَا امْرَأَة فَحَافَا لَهَا , ثُمَّ ذَهَبَا يَصْعَدَانِ , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ وَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة : فَكَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1392 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَهَذَا سِحْر آخَر خَاصَمُوهُ بِهِ أَيْضًا ; يَقُول : خَاصَمُوهُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَإِنَّ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا بَيْنهمْ إذَا عَلَّمَتْهُ الْإِنْس فَصَنَعَ وَعَمِلَ بِهِ كَانَ سِحْرًا . 1393 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّاس بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَالسِّحْر سِحْرَانِ : سِحْر تُعَلِّمهُ الشَّيَاطِين , وَسِحْر يُعَلِّمهُ هَارُوت وَمَارُوت . 1394 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } قَالَ : التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1395 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَلَا تَكْفُر } قَالَ : الشَّيَاطِين وَالْمَلَكَانِ يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْآيَة عَلَى تَأْوِيل هَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ : وَاتَّبَعَتْ الْيَهُود الَّذِي تَلَتْ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت . وَهُمَا مَلَكَانِ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه , سَنَذْكُرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَار فِي شَأْنهمَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالُوا : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر , أَمْ هَلْ يَجُوز لِمَلَائِكَتِهِ أَنْ تُعَلِّمهُ النَّاس ؟ قُلْنَا لَهُ : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ قَدْ أَنْزَلَ الْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه , وَبَيْن جَمِيع ذَلِكَ لِعِبَادِهِ , فَأَوْحَاهُ إلَى رُسُله وَأَمَرَهُمْ بِتَعْلِيمِ خَلْقه وَتَعْرِيفهمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ مِمَّا يَحْرُم عَلَيْهِمْ ; وَذَلِك كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَسَائِر الْمَعَاصِي الَّتِي عَرَفَهُمُوهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبهَا , فَالسِّحْر أَحَد تِلْكَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ الْعَمَل بِهَا . قَالُوا : لَيْسَ فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ إثْم , كَمَا لَا إثْم فِي الْعِلْم بِصَنْعَةِ الْخَمْر وَنَحْت الْأَصْنَام وَالطَّنَابِير وَالْمَلَاعِب , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي عَمَله وَتَسْوِيَته . قَالُوا : وَكَذَلِك لَا إثْم فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي الْعَمَل بِهِ وَأَنْ يَضُرّ بِهِ مَنْ لَا يَحِلّ ضُرّه بِهِ . قَالُوا : فَلَيْسَ فِي إنْزَال اللَّه إيَّاهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَلَا فِي تَعْلِيم الْمَلَكَيْنِ مَنْ عَلَّمَاهُ مِنْ النَّاس إثْم إذَا كَانَ تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَاهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِهِ بَعْد أَنْ يُخْبِرَاهُ بِأَنَّهُمَا فِتْنَة وَيَنْهَاهُ عَنْ السِّحْر وَالْعَمَل بِهِ وَالْكُفْر ; وَإِنَّمَا الْإِثْم عَلَى مَنْ يَتَعَلَّمهُ مِنْهُمَا وَيَعْمَل بِهِ , إذْ كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ نَهَاهُ عَنْ تَعَلُّمه وَالْعَمَل بِهِ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ اللَّه أَبَاحَ لِبَنِي آدَم أَنْ يَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ مِنْ تَعَلُّمه حَرَجًا , كَمَا لَمْ يَكُونَا حَرِجَيْنِ لِعِلْمِهِمَا بِهِ , إذْ كَانَ عِلْمهمَا بِذَلِك عَنْ تَنْزِيل اللَّه إلَيْهِمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " مَا " مَعْنَى " الَّذِي " , وَهِيَ عَطْف عَلَى " مَا " الْأُولَى , غَيْر أَنَّ الْأُولَى فِي مَعْنَى السِّحْر وَالْآخِرَة فِي مَعْنَى التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل : وَاتَّبَعُوا السِّحْر الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان , وَالتَّفْرِيق الَّذِي بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1396 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح . عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } وَهُمَا يَعْلَمَانِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } وَكَانَ يَقُول : أَمَّا السِّحْر فَإِنَّمَا يَعْلَمهُ الشَّيَاطِين , وَأَمَّا الَّذِي يَعْلَم الْمَلَكَانِ فَالتَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَجَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1397 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْث بْن سَعْد , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ قَوْل اللَّه { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَقَالَ الرَّجُل : يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , أَمْ يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ الْقَاسِم : مَا أُبَالِي أَيَّتهمَا كَانَتْ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عِيَاض , عَنْ بَعْض أَصْحَابه , أَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد سُئِلَ عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقِيلَ لَهُ : أُنْزِلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل ؟ فَقَالَ : لَا أُبَالِي أَيّ ذَلِكَ كَانَ , إلَّا أَنِّي آمَنْت بِهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ وَجَّهَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى مَعْنَى " الَّذِي " دُون مَعْنَى " مَا " الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْد . وَإِنَّمَا اخْتَرْت ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّ " مَا " إنْ وُجِّهَتْ إلَى مَعْنَى الْجَحْد , فَتَنْفِي عَنْ الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَكُونَا مُنَزَّلًا إلَيْهِمَا . وَلَمْ يَخْلُ الِاسْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدهمَا - أَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - مِنْ أَنْ يَكُونَا بَدَلًا مِنْهُمَا وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا , أَوْ بَدَلًا مِنْ النَّاس فِي قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا . فَإِنْ جُعِلَا بَدَلًا مِنْ الْمَلَكَيْنِ وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا بَطَلَ مَعْنَى قَوْله : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِمَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَمَا الَّذِي يَتَعَلَّم مِنْهُمَا مَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَبَعْد , فَإِنَّ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إنْ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْجَحْد عَطْفًا عَلَى قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَإِنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ نَفَى بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } عَنْ سُلَيْمَان أَنْ يَكُون السِّحْر مِنْ عَمَله , أَوْ مِنْ عِلْمه أَوْ تَعْلِيمه . فَإِنْ كَانَ الَّذِي نَفَى عَنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ ذَلِكَ نَظِير الَّذِي نَفَى عَنْ سُلَيْمَان مِنْهُ , وَهَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ , فَمَنْ الْمُتَعَلَّمِ مِنْهُ إذًا مَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَعَمَّنْ الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } ؟ إنَّ خَطَأ هَذَا الْقَوْل لَوَاضِح بَيِّن . وَإِنْ كَانَ قَوْله " هَارُوت وَمَارُوت " تَرْجَمَة مِنْ النَّاس الَّذِينَ فِي قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي تُعَلِّم هَارُوت وَمَارُوت السِّحْر , وَتَكُون السَّحَرَة إنَّمَا تَعَلَّمَتْ السِّحْر مِنْ هَارُوت وَمَارُوت عَنْ تَعْلِيم الشَّيَاطِين إيَّاهُمَا . فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَنْ يَخْلُو هَارُوت وَمَارُوت عِنْد قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ أَحَد أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنِ , فَإِنْ كَانَا عِنْده مَلَكَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُمَا مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ بِنِسْبَتِهِ إيَّاهُمَا إلَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّمَانِ مِنْ الشَّيَاطِين السِّحْر وَيُعَلِّمَانِهِ النَّاس , وَإِصْرَارهمَا عَلَى ذَلِكَ وَمَقَامهمَا عَلَيْهِ أَعْظَم مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ مِنْ الْمَعْصِيَة الَّتِي اسْتَحَقَّا عَلَيْهَا الْعِقَاب , وَفِي خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا مَا يَتَعَلَّم مِنْهُمَا حَتَّى يَقُولَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } مَا يُغْنِي عَنْ الْإِكْثَار فِي الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ هَذَا الْقَوْل . أَوْ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم ; فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَانَ يَجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا قَدْ ارْتَفَعَ السِّحْر وَالْعِلْم بِهِ وَالْعَمَل مِنْ بَنِي آدَم ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَلهمَا يُؤْخَذ وَمِنْهُمَا يُتَعَلَّم , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا وَعَدَم وُجُودهمَا عُدِمَ السَّبِيل إلَى الْوُصُول إلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لَا يُوصَل إلَيْهِ إلَّا بِهِمَا ; وَفِي وُجُود السِّحْر فِي كُلّ زَمَان وَوَقْت أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى فَسَاد هَذَا الْقَوْل . وَقَدْ يَزْعُم قَائِل ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَم , لَمْ يُعْدَمَا مِنْ الْأَرْض مُنْذُ خُلِقَتْ , وَلَا يُعْدَمَانِ بَعْد مَا وُجِدَ السِّحْر فِي النَّاس . فَيَدَّعِي مَا لَا يَخْفَى بِطُولِهِ . فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْوُجُوه الَّتِي دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادهَا , فَبَيِّن أَنَّ مَعْنَى : { مَا } الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَأَنَّ هَارُوت وَمَارُوت مُتَرْجَم بِهِمَا عَنْ الْمَلَكَيْنِ ; وَلِذَلِك فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا , لِأَنَّهُمَا فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا لَا يُجَرَّانِ فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا . فَإِنْ الْتَبَسَ عَلَى ذِي غَبَاء مَا قُلْنَا , فَقَالَ : وَكَيْف يَجُوز لِمَلَائِكَةِ اللَّه أَنْ تُعَلِّم النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ أَمْ كَيْف يَجُوز أَنْ يُضَاف إلَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْزَال ذَلِكَ عَلَى الْمَلَائِكَة ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَرَّفَ عِبَاده جَمِيع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَجَمِيع مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ بَعْد الْعِلْم مِنْهُمْ بِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْهُ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى غَيْر ذَلِكَ , لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي مَعْنَى مَفْهُوم ; فَالسِّحْر مِمَّا قَدْ نَهَى عِبَاده مِنْ بَنِي آدَم عَنْهُ , فَغَيْر مُنْكَر أَنْ يَكُون جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَّمَهُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا فِي تَنْزِيله وَجَعَلَهُمَا فِتْنَة لِعِبَادِهِ مِنْ بَنِي آدَم كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لِمَنْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } لِيَخْتَبِر بِهِمَا عِبَاده الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه وَعَنْ السِّحْر , فَيُمَحِّص الْمُؤْمِن بِتَرْكِهِ التَّعَلُّم مِنْهُمَا , وَيُخْزِي الْكَافِر بِتَعَلُّمِهِ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْهُمَا , وَيَكُون الْمَلَكَانِ فِي تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَا ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعِينَ , إذْ كَانَا عَنْ إذْن اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِ ذَلِكَ مَنْ عَلَّمَاهُ يَعْلَمَانِ . وَقَدْ عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه جَمَاعَة مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ ضَائِرًا إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِمْ إيَّاهُمْ بِهِ , بَلْ عَبَدَ بَعْضهمْ وَالْمَعْبُود عَنْهُ نَاهٍ , فَكَذَلِك الْمَلَكَانِ غَيْر ضَائِرهمَا سِحْر مَنْ سَحَرَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بَعْد نَهْيهمَا إيَّاهُ عَنْهُ وَعِظَتهمَا لَهُ بِقَوْلِهِمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } إذْ كَانَا قَدْ أَدَّيَا مَا أُمِرَ بِهِ بِقَيْلِهِمَا ذَلِكَ . كَمَا : 1398 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } إلَى قَوْله : { فَلَا تَكْفُر } أَخَذَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ . ذِكْر بَعْض الْأَخْبَار الَّتِي فِي بَيَان الْمَلَكَيْنِ , وَمَنْ قَالَ إنَّ هَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { بِبَابِل } 1399 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا أَبُو شُعْبَة الْعَدَوِيّ فِي جِنَازَة يُونُس بْن جُبَيْر أَبِي غَلَّاب , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : إنَّ اللَّه أَفْرَج السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ يَنْظُرُونَ إلَى أَعْمَال بَنِي آدَم , فَلَمَّا أَبْصَرُوهُمْ يَعْمَلُونَ الْخَطَايَا , قَالُوا : يَا رَبّ هَؤُلَاءِ بَنُو آدَم الَّذِي خَلَقْته بِيَدِك , وَأَسْجَدْت لَهُ مَلَائِكَتك , وَعَلَّمْته أَسْمَاء كُلّ شَيْء , يَعْمَلُونَ بِالْخَطَايَا . قَالَ : أَمَا إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ لَعَمِلْتُمْ مِثْل أَعْمَالهمْ . قَالُوا : سُبْحَانك مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا , قَالَ : فَأُمِرُوا أَنْ يَخْتَارُوا مَنْ يَهْبِط إلَى الْأَرْض . قَالَ : فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَأُحِلّ لَهُمَا مَا فِيهَا مِنْ شَيْء غَيْر أَنْ لَا يُشْرِكَا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقَا , وَلَا يَزْنِيَا , وَلَا يَشْرَبَا الْخَمْر , وَلَا يَقْتُلَا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إلَّا بِالْحَقِّ . قَالَ : فَمَا اسْتَمَرَّا حَتَّى عَرَضَ لَهُمَا امْرَأَة قَدْ قُسِمَ لَهَا نِصْف الْحُسْن يُقَال لَهَا " بيذخت " , فَلَمَّا أَبْصَرَاهَا أَرَادَا بِهَا زِنَا , فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تُشْرِكَا بِاَللَّهِ وَتَشْرَبَا الْخَمْر وَتَقْتُلَا النَّفْس وَتَسْجُدَا لِهَذَا الصَّنَم . فَقَالَا : مَا كُنَّا لِنُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا . فَقَالَ أَحَدهمَا لِلْآخَرِ : ارْجِعْ إلَيْهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَا أَنْ تَشْرَبَا الْخَمْر ! فَشَرِبَا حَتَّى ثَمِلَا , وَدَخَلَ عَلَيْهِمَا سَائِل فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الشَّرّ , أَفْرَجَ اللَّه السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ , فَقَالُوا : سُبْحَانك كُنْت أَعْلَم ! قَالَ : فَأَوْحَى اللَّه إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد أَنْ يُخَيِّرهُمَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَكُبِّلَا مِنْ أَكْعُبِهِمَا إلَى أَعْنَاقهمَا بِمِثْلِ أَعْنَاق الْبُخْت وَجُعِلَا بِبَابِل . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا : لَمَّا كَثُرَ بَنُو آدَم وَعَصَوْا , دَعَتْ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ وَالْأَرْض وَالسَّمَاء وَالْجِبَال : رَبّنَا أَلَّا تُهْلِكهُمْ ؟ فَأَوْحَى اللَّه إلَى الْمَلَائِكَة : إنِّي لَوْ أَنْزَلْت الشَّهْوَة وَالشَّيْطَان مِنْ قُلُوبكُمْ وَنَزَلْتُمْ لَفَعَلْتُمْ أَيْضًا . قَالَ : فَحَدَّثُوا أَنْفُسهمْ أَنْ لَوْ اُبْتُلُوا اعْتَصَمُوا . فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِمْ أَنْ اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ أَفْضَلكُمْ . فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض وَأُنْزِلَتْ الزَّهْرَة إلَيْهِمَا فِي صُورَة امْرَأَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَكَانَ أَهْل فَارِس يُسَمُّونَهَا " بيذخت " . قَالَ : فَوَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ , فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } . فَلَمَّا وَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْض : { أَلَا إنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم } فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . 1400 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَمْرو بْن سَعِيد , قَالَ سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : كَانَتْ الزَّهْرَة امْرَأَة جَمِيلَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَإِنَّهَا خَاصَمَتْ إلَى الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسهَا , فَأَبَتْ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الْكَلَام الَّذِي إذَا تَكَلَّمَ بِهِ يَعْرُج بِهِ إلَى السَّمَاء . فَعَلَّمَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَعَرَجَتْ إلَى السَّمَاء فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا . 1401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُؤَمَّل بْن إسْمَاعِيل , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ الثَّوْرِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن عُقْبَة , عَنْ سَالِم , عَنْ ابْن عُمَر , عَنْ كَعْب , قَالَ : ذَكَرَتْ الْمَلَائِكَة أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ اثْنَيْنِ - وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ - فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل إلَى بَنِي آدَم رُسُلًا , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ رَسُول , انْزِلَا لَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا , وَلَا تَشْرَبَا الْخَمْر ! قَالَ كَعْب : فَوَاَللَّهِ مَا أَمْسَيَا مِنْ يَوْمهمَا الَّذِي أُهْبِطَا فِيهِ إلَى الْأَرْض , حَتَّى اسْتَكْمَلَا جَمِيع مَا نُهِيَا عَنْهُ . وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : فَمَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ حَتَّى عَمِلَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِم أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه يُحَدِّث عَنْ كَعْب الْأَحْبَار , أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ الْمَلَائِكَة أَنْكَرُوا أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ فِي الْأَرْض مِنْ الْمَعَاصِي , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ أَتَيْتُمْ مَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب فَاخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ اللَّه لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل رُسُلِي إلَى النَّاس , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , انْزِلَا إلَى الْأَرْض , وَلَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا ! فَقَالَ كَعْب : وَاَلَّذِي نَفْس كَعْب بِيَدِهِ مَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي نَزَلَا فِيهِ حَتَّى أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . 1402 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمْر هَارُوت وَمَارُوت أَنَّهُمَا طَعَنَا عَلَى أَهْل الْأَرْض فِي أَحْكَامهمْ , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أَعْطَيْت ابْن آدَم عَشْرًا مِنْ الشَّهَوَات فَبِهَا يَعْصُونَنِي . قَالَ هَارُوت وَمَارُوت : رَبّنَا لَوْ أَعْطَيْتنَا تِلْكَ الشَّهَوَات ثُمَّ نَزَلْنَا لَحَكَمْنَا بِالْعَدْلِ . فَقَالَ لَهُمَا : انْزِلَا فَقَدْ أَعْطَيْتُكُمَا تِلْكَ الشَّهَوَات الْعَشْر فَاحْكُمَا بَيْن النَّاس ! فَنَزَلَا بِبَابِل دنباوند , فَكَانَا يَحْكُمَانِ , حَتَّى إذَا أَمْسَيَا عَرَجَا , فَإِذَا أَصْبَحَا هَبَطَا . فَلَمْ يَزَالَا كَذَلِك حَتَّى أَتَتْهُمَا امْرَأَة تُخَاصِم زَوْجهَا , فَأَعْجَبَهُمَا حُسْنهَا وَاسْمهَا بِالْعَرَبِيَّةِ " الزَّهْرَة " , وَبِالنَّبَطِيَّةِ " بيذخت " , وَاسْمهَا بِالْفَارِسِيَّةِ " واناهيذ " , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : إنَّهَا لَتُعْجِبنِي . فَقَالَ الْآخَر : قَدْ أَرَدْت أَنْ أَذْكُر لَك فَاسْتَحْيَيْت مِنْك . فَقَالَ الْآخَر : هَلْ لَك أَنْ أَذْكُرهَا لِنَفْسِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَلَكِنْ كَيْف لَنَا بِعَذَابِ اللَّه ؟ قَالَ الْآخَر : إنَّا نَرْجُو رَحْمَة اللَّه . فَلَمَّا جَاءَتْ تُخَاصِم زَوْجهَا ذَكَرَا إلَيْهَا نَفْسهَا , فَقَالَتْ : لَا حَتَّى تَقْضِيَا لِي عَلَى زَوْجِي , فَقَضَيَا لَهَا عَلَى زَوْجهَا . ثُمَّ وَاعَدَتْهُمَا خَرِبَة مِنْ الْخُرْب يَأْتِيَانِهَا فِيهَا , فَأَتَيَاهَا لِذَلِك , فَلَمَّا أَرَادَ الَّذِي يُوَاقِعهَا , قَالَتْ : مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَفْعَل حَتَّى تُخْبِرَانِي بِأَيِّ كَلَام تَصْعَدَانِ إلَى السَّمَاء ؟ وَبِأَيِّ كَلَام تَنْزِلَانِ مِنْهَا ؟ فَأَخْبَرَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَصَعِدَتْ . فَأَنْسَاهَا اللَّه مَا تَنْزِل بِهِ فَبَقِيَتْ مَكَانهَا , وَجَعَلَهَا اللَّه كَوْكَبًا - فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كُلَّمَا رَآهَا لَعَنَهَا وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي فَتَنَتْ هَارُوت وَمَارُوت - فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا فَلَمْ يَسْتَطِيعَا فَعَرَفَا الْهَلَك , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا مِنْ عَذَاب الْآخِرَة , فَعُلِّقَا بِبَابِل فَجُعِلَا يُكَلِّمَانِ النَّاس كَلَامهمَا وَهُوَ السِّحْر . 1403 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ , ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا وَقَعَ النَّاس مِنْ بَعْد آدَم فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْكُفْر بِاَللَّهِ , قَالَتْ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء : أَيْ رَبّ هَذَا الْعَالَم إنَّمَا خَلَقْتهمْ لِعِبَادَتِك وَطَاعَتك , وَقَدْ رَكِبُوا الْكُفْر وَقَتْل النَّفْس الْحَرَام وَأَكْل الْمَال الْحَرَام وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر ! فَحَمَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْذُرُونَهُمْ . فَقِيلَ لَهُمْ : إنَّهُمْ فِي غَيْب ! فَلَمْ يَعْذُرُوهُمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ آمُرهُمَا بِأَمْرِي , وَأَنْهَاهُمَا عَنْ مَعْصِيَتِي ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَحَمَلَ بِهِمَا شَهَوَات بَنِي آدَم , وَأُمِرَا أَنْ يَعْبُدَا اللَّه وَلَا يُشْرِكَا بِهِ شَيْئًا , وَنُهِيَا عَنْ قَتْل النَّفْس الْحَرَام , وَأَكْل الْمَال الْحَرَام , وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر . فَلَبِثَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَرْض زَمَانًا يَحْكُمَانِ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ , وَذَلِك فِي زَمَان إدْرِيس , وَفِي ذَلِكَ الزَّمَان امْرَأَة حُسْنهَا فِي سَائِر النَّاس كَحُسْنِ الزَّهْرَة فِي سَائِر الْكَوْكَب . وَإِنَّهَا أَتَتْ عَلَيْهِمَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ , وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا , وَإِنَّهَا أَبَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى أَمْرهَا وَدِينهَا , وَإِنَّهُمَا سَأَلَاهَا عَنْ دِينهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَتْ لَهُمَا صَنَمًا وَقَالَتْ : هَذَا أَعْبُد . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَذَهَبَا فَصَبَرَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ أَتَيَا عَلَيْهَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تَكُونَا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَعْبُدَا الصَّنَم , قَالَتْ لَهُمَا : اخْتَارَا إحْدَى الْخِلَال الثَّلَاث : إمَّا أَنْ تَعْبُدَا الصَّنَم , أَوْ تَقْتُلَا النَّفْس , أَوْ تَشْرَبَا الْخَمْر . فَقَالَا : كُلّ هَذَا لَا يَنْبَغِي , وَأَهْوَن الثَّلَاثَة شُرْب الْخَمْر . فَسَقَتْهُمَا الْخَمْر , حَتَّى إذَا أَخَذَتْ الْخَمْر فِيهِمَا وَقَعَا بِهَا , فَمَرَّ بِهِمَا إنْسَان وَهُمَا فِي ذَلِكَ , فَخَشِيَا أَنْ يُفْشِي عَلَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ عَنْهُمَا السُّكْر عَرَفَا مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة وَأَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا إلَى السَّمَاء فَلَمْ يَسْتَطِيعَا , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ , وَكُشِفَ الْغِطَاء بَيْنهمَا وَبَيْن أَهْل السَّمَاء . فَنَظَرَتْ الْمَلَائِكَة إلَى مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الذَّنْب , فَعَجِبُوا كُلّ الْعَجَب , وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَيْب فَهُوَ أَقَلّ غَشْيَة , فَجَعَلُوا بَعْد ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْض . وَإِنَّهُمَا لَمَّا وَقَعَا فِيمَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة , قِيلَ لَهُمَا : اخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا أَوْ عَذَاب الْآخِرَة ! فَقَالَا : أَمَّا عَذَاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَنْقَطِع وَأَمَّا عَذَاب الْآخِرَة فَلَا انْقِطَاع لَهُ . فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَجُعِلَا بِبَابِل , فَهُمَا يُعَذَّبَانِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا فَرَج بْن فَضَالَةَ , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ نَافِع , قَالَ : سَافَرْت مَعَ ابْن عُمَر , فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِر اللَّيْل قَالَ : يَا نَافِع اُنْظُرْ طَلَعَتْ الْحَمْرَاء ! قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . ثُمَّ قُلْت : قَدْ طَلَعَتْ . قَالَ : لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا ! قُلْت : سُبْحَان اللَّه نَجْم مُسَخَّر سَامِع مُطِيع ؟ قَالَ : مَا قُلْت لَك إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَقَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ : يَا رَبّ كَيْف صَبْرك عَلَى بَنِي آدَم فِي الْخَطَايَا وَالذُّنُوب ؟ قَالَ : إنِّي ابْتَلَيْتهمْ وَعَافَيْتُكُمْ . قَالُوا : لَوْ كُنَّا مَكَانهمْ مَا عَصَيْنَاك . قَالَ : فَاخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْكُمْ ! قَالَ : فَلَمْ يَأْلُوا أَنْ يَخْتَارُوا , فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت " . 1404 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : وَأَمَّا شَأْن هَارُوت وَمَارُوت , فَإِنَّ الْمَلَائِكَة عَجِبْت مِنْ ظُلْم بَنِي آدَم وَقَدْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل وَالْكُتُب وَالْبَيِّنَات , فَقَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ أُنْزِلهُمَا يَحْكُمَانِ فِي الْأَرْض بَيْن بَنِي آدَم ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ لَهُمَا حِين أَنْزَلَهُمَا : عَجِبْتُمَا مِنْ بَنِي آدَم وَمِنْ ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَإِنَّمَا تَأْتِيهِمْ الرُّسُل وَالْكُتُب مِنْ وَرَاء وَرَاء , وَأَنْتُمَا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , فَافْعَلَا كَذَا وَكَذَا , وَدَعَا كَذَا وَكَذَا ! فَأَمَرَهُمَا بِأَمْرِ وَنَهَاهُمَا . ثُمَّ نَزَلَا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ أَحَد لِلَّهِ أَطْوَع مِنْهُمَا , فَحَكَمَا فَعَدَلَا , فَكَانَا يَحْكُمَانِ النَّهَار بَيْن بَنِي آدَم , فَإِذَا أَمْسَيَا عَرَجَا وَكَانَا مَعَ الْمَلَائِكَة , وَيَنْزِلَانِ حِين يُصْبِحَانِ فَيَحْكُمَانِ فَيَعْدِلَانِ . حَتَّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمَا الزَّهْرَة فِي أَحْسَن صُورَة امْرَأَة تُخَاصِم , فَقَضَيَا عَلَيْهَا . فَلَمَّا قَامَتْ وَجَدَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي نَفْسه , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : وَجَدْت مِثْل مَا وَجَدْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَبَعَثَا إلَيْهَا أَنْ ائْتِينَا نَقْضِ لَك . فَلَمَّا رَجَعَتْ قَالَا لَهَا وَقَضَيَا لَهَا : ائْتِينَا ! فَأَتَتْهُمَا , فَكَشَفَا لَهَا عَنْ عَوْرَتهمَا . وَإِنَّمَا كَانَتْ شَهْوَتهمَا فِي أَنْفُسهمَا وَلَمْ يَكُونَا كَبَنِي آدَم فِي شَهْوَة النِّسَاء وَلَذَّتهَا . فَلَمَّا بَلَغَا ذَلِكَ وَاسْتَحَلَّاهُ وَافْتَتَنَا , طَارَتْ الزَّهْرَة فَرَجَعَتْ حَيْثُ كَانَتْ . فَلَمَّا أَمْسَيَا عَرَجَا فَرُدَّا وَلَمْ يُؤْذَن لَهُمَا وَلَمْ تَحْمِلهُمَا أَجْنِحَتهمَا ; فَاسْتَغَاثَا بِرَجُلِ مِنْ بَنِي آدَم , فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : اُدْعُ لَنَا رَبّك ! فَقَالَ : كَيْف يَشْفَع أَهْل الْأَرْض لِأَهْلِ السَّمَاء ؟ قَالَا : سَمِعْنَا رَبّك يَذْكُرك بِخَيْرِ فِي السَّمَاء . فَوَعَدَهُمَا يَوْمًا وَغَدًا يَدْعُو لَهُمَا . فَدَعَا لَهُمَا فَاسْتُجِيبَ لَهُ , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . فَنَظَرَ أَحَدهمَا إلَى صَاحِبه فَقَالَا : نَعْلَم أَنَّ أَنْوَاع عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة كَذَا وَكَذَا فِي الْخُلْد وَمَعَ الدُّنْيَا سَبْع مَرَّات مِثْلهَا . فَأُمِرَا أَنْ يَنْزِلَا بِبَابِل , فَثَمَّ عَذَابهمَا . وَزُعِمَ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فِي الْحَدِيد مَطْوِيَّانِ يَصْفِقَانِ بِأَجْنِحَتِهِمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَحُكِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } يَعْنِي بِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِذَلِك مِنْ جِهَة الِاسْتِدْلَال ; فَأَمَّا مِنْ جِهَة النَّقْل فَإِجْمَاع الْحُجَّة عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِهَا مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَفَى بِذَلِك شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا . وَأَمَّا قَوْله { بِبَابِل } فَإِنَّهُ اسْم قَرْيَة أَوْ مَوْضِع مِنْ مَوَاضِع الْأَرْض . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّهَا بَابِل دنباوند . * - حَدَّثَنِي بِذَلِك مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ بَابِل الْعِرَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1405 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة ذَكَرَتْهَا عَنْ امْرَأَة قَدِمَتْ الْمَدِينَة , فَذَكَرَتْ أَنَّهَا صَارَتْ فِي الْعِرَاق بِبَابِل , فَأَتَتْ بِهَا هَارُوت وَمَارُوت فَتَعَلَّمَتْ مِنْهُمَا السِّحْر . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّحْر , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ خِدَع وَمَخَارِيق وَمَعَانٍ يَفْعَلهَا السَّاحِر , حَتَّى يُخَيَّل إلَى الْمَسْحُور الشَّيْء أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ نَظِير الَّذِي يَرَى السَّرَاب مِنْ بَعِيد , فَيُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ مَاء , وَيَرَى الشَّيْء مِنْ بَعِيد فَيُثْبِتهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى حَقِيقَته . وَكَرَاكِبِ السَّفِينَة السَّائِرَة سَيْرًا حَثِيثًا يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّ مَا عَايَنَ مِنْ الْأَشْجَار وَالْجِبَال سَائِر مَعَهُ . قَالُوا : فَكَذَلِك الْمَسْحُور ذَلِكَ صِفَته , يَحْسِب بَعْد الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ سِحْر السَّاحِر أَنَّ الَّذِي يَرَاهُ أَوْ يَفْعَلهُ بِخِلَافِ الَّذِي هُوَ بِهِ عَلَى حَقِيقَته . كَاَلَّذِي : 1406 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْوَلِيد , وَسُفْيَان بْن وَكِيع قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُحِرَ كَانَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَمْ يَفْعَلهُ . 1407 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : اثْنَا ابْن نُمَيْر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُود بَنِي زُرَيْق يُقَال لَهُ لَبِيد بْن الْأَعْصَم , حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَمَا يَفْعَلهُ . 1408 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : كَانَ عُرْوَة بْن الزَّبِير وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب يُحَدِّثَانِ : أَنَّ يَهُود بَنِي زُرَيْق عَقَدُوا عُقَدَ سِحْر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَعَلُوهَا فِي بِئْر حُزَم حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه يُنْكِر بَصَره وَدَلَّهُ اللَّه عَلَى مَا صَنَعُوا . فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بِئْر حُزَم الَّتِي فِيهَا الْعُقَد فَانْتَزَعَهَا , فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " سَحَرَتْنِي يَهُود بَنِي زُرَيْق " . وَأَنْكَرَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنْ يَكُون السَّاحِر يَقْدِر بِسِحْرِهِ عَلَى قَلْب شَيْء عَنْ حَقِيقَته , وَاسْتِسْخَار شَيْء مِنْ خَلْق اللَّه إلَّا نَظِير الَّذِي يَقْدِر عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَائِر بَنِي آدَم , أَوْ إنْشَاء شَيْء مِنْ الْأَجْسَام سِوَى الْمَخَارِيق وَالْخُدَع الْمُتَخَيَّلَة لِأَبْصَارِ النَّاطِرِينَ بِخِلَافِ حَقَائِقهَا الَّتِي وَصَفْنَا . وَقَالُوا : لَوْ كَانَ فِي وُسْع السَّحَرَة إنْشَاء الْأَجْسَام وَقَلْب لِحَقَائِق الْأَعْيَان عَمَّا هِيَ بِهِ مِنْ الْهَيْئَات , لَمْ يَكُنْ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فَصْل , وَلَجَازَ أَنْ تَكُون جَمِيع الْمَحْسُوسَات مِمَّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَة فَقَلَبَتْ أَعْيَانهَا . قَالُوا : وَفِي وَصْف اللَّه جَلّ وَعَزَّ سَحَرَة فِرْعَوْن بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ يُخَيَّل إلَيْهِ مِنْ سِحْرهمْ أَنَّهَا تَسْعَى } . وَفِي خَبَر عَائِشَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ كَانَ إذَا سُحِرَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَا يَفْعَلهُ , أَوْضَح الدَّلَالَة عَلَى بُطُول دَعْوَى الْمُدَّعِينَ : أَنَّ السَّاحِر يُنْشِئ أَعْيَانِ الْأَشْيَاء بِسِحْرِهِ , وَيَسْتَسْخِر مَا يَتَعَذَّر اسْتِسْخَاره عَلَى غَيْره مِنْ بَنِي آدَم . كَالْمَوَاتِ وَالْجَمَاد وَالْحَيَوَان , وَصِحَّة مَا قُلْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ يَقْدِر السَّاحِر بِسِحْرِهِ أَنْ يُحَوِّل الْإِنْسَان حِمَارًا , وَأَنْ يَسْحَر الْإِنْسَان وَالْحِمَار وَيُنْشِئ أَعْيَانًا وَأَجْسَامًا . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 1409 - حَدَّثَنَا بِهِ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي الزِّنَاد , قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأَة مِنْ أَهْل دَوْمَة الْجَنْدَل , جَاءَتْ تَبْتَغِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَوْته حَدَاثَة ذَلِكَ , تَسْأَلهُ عَنْ شَيْء دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ أَمْر السِّحْر وَلَمْ تَعْمَل بِهِ . قَالَتْ عَائِشَة لِعُرْوَة : يَا ابْن أُخْتِي , فَرَأَيْتهَا تَبْكِي حِين لَمْ تَجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْفِيهَا , كَانَتْ تَبْكِي حَتَّى إنِّي لَأَرْحَمهَا , وَتَقُول : إنِّي لَأَخَاف أَنْ أَكُون قَدْ هَلَكْت , كَانَ لِي زَوْج فَغَابَ عَنِّي , فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوز فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَيْهَا , فَقَالَتْ : إنْ فَعَلْت مَا آمُرك بِهِ فَأَجْعَلهُ يَأْتِيك , فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ , فَرَكِبَتْ أَحَدهمَا وَرَكِبَتْ الْآخَر , فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءِ حَتَّى وَقَفْنَا بِبَابِل , فَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا , فَقَالَا : مَا جَاءَ بِك ؟ فَقُلْت : أَتَعْلَمُ السِّحْر ؟ فَقَالَا : أَمَّا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُرِي وَارْجِعِي , فَأَبَيْت وَقُلْت : لَا , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت فَفَزِعْت فَلَمْ أَفْعَل , فَرَجَعْت إلَيْهِمَا , فَقَالَا : أَفَعَلْت ؟ قُلْت : نَعَمْ , فَقَالَا : فَهَلْ رَأَيْت شَيْئًا ؟ قُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا لِي : لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت , فَاقْشَعْرَرْت وَخِفْت . ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : فَمَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا : كَذَبْت لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي , فَإِنَّك عَلَى رَأْس أَمْرك ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت إلَيْهِ فَبُلْت فِيهِ , فَرَأَيْت فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدِ خَرَجَ مِنِّي حَتَّى ذَهَبَ فِي السَّمَاء وَغَابَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَجِئْتهمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : مَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : فَارِسًا مُتَقَنِّعًا خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاء حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَقَالَا : صَدَقْت , ذَلِكَ إيمَانك خَرَجَ مِنْك اذْهَبِي ! فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : وَاَللَّه مَا أَعْلَم شَيْئًا وَمَا قَالَا لِي شَيْئًا , فَقَالَتْ : بَلَى , لَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلَّا كَانَ , خُذِي هَذَا الْقَمْح فَابْذُرِي ! فَبَذَرَتْ , فَقُلْت : أَطْلِعِي ! فَأَطْلَعَتْ , وَقُلْت : أَحْقِلِي ! فَأَحْقَلَتْ , ثُمَّ قُلْت : اُفْرُكِي ! فَأَفْرَكَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَيْبِسِي ! فَأَيْبَسَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَطْحِنِي ! فَأَطْحَنَتْ , ثُمَّ قُلْت : اخْبِزِي ! فَأَخْبَزَتْ . فَلَمَّا رَأَيْت أَنِّي لَا أُرِيد شَيْئًا إلَّا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي وَنَدِمْت وَاَللَّه يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَاَللَّه مَا فَعَلْت شَيْئًا قَطُّ وَلَا أَفْعَلهُ أَبَدًا . قَالَ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا , وَقَالُوا : لَوْلَا أَنَّ السَّاحِر يَقْدِر عَلَى فِعْل مَا ادَّعَى أَنَّهُ يَقْدِر عَلَى فِعْله مَا قَدَرَ أَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك لَوْ كَانَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة وَكَانَ عَلَى وَجْه التَّخْيِيل وَالْحُسْبَان , لَمْ يَكُنْ تَفْرِيقًا عَلَى صِحَّة , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ عَلَى صِحَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السِّحْر أَخَذَ بِالْعَيْنِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : وَمَا يُعَلِّم الْمَلَكَانِ أَحَدًا مِنْ النَّاس الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه حَتَّى يَقُولَا لَهُ : إنَّمَا نَحْنُ بَلَاء وَفِتْنَة لِبَنِي آدَم فَلَا تَكْفُر بِرَبِّك . كَمَا : 1410 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : لَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : إذَا أَتَاهُمَا - يَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - إنْسَان يُرِيد السِّحْر وَعَظَاهُ وَقَالَا لَهُ : لَا تَكْفُر إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَإِنْ أَبَى قَالَا لَهُ : ائْتِ هَذَا الرَّمَاد فَبُلْ عَلَيْهِ . فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْهُ نُور يَسْطَع حَتَّى يَدْخُل السَّمَاء , وَذَلِك الْإِيمَان - وَقِيلَ شَيْء أَسْوَد كَهَيْئَةِ الدُّخَان - حَتَّى يَدْخُل فِي مَسَامِعه وَكُلّ شَيْء مِنْهُ , فَلِذَلِك غَضِبَ اللَّه , فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا بِذَلِك عَلَّمَاهُ السِّحْر . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } الْآيَة . 1411 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن : { حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1412 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ قَتَادَة : كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1413 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ غَيْر قَتَادَة : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَتَقَدَّمَا إلَيْهِ فَيَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَقُولَا ذَلِكَ . 1414 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخَذَ الْمِيثَاق عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر , لَا يَجْتَرِئ عَلَى السِّحْر إلَّا كَافِر . وَأَمَّا الْفِتْنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّ مَعْنَاهَا الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء , مِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر . وَقَدْ فُتِنَ النَّاس فِي دِينهمْ وَخَلَّى ابْن عَفَّان شَرًّا طَوِيلًا وَمِنْهُ قَوْله : فَتَنْت الذَّهَب فِي النَّار : إذَا امْتَحَنْتهَا لِتَعْرِف جَوْدَتهَا مِنْ رَدَاءَتهَا , أَفْتِنهُ فِتْنَة وَفُتُونًا . كَمَا : 1415 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة } أَيْ بَلَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : وَمَا يُعَلِّم الْمَلَكَانِ أَحَدًا مِنْ النَّاس الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه حَتَّى يَقُولَا لَهُ : إنَّمَا نَحْنُ بَلَاء وَفِتْنَة لِبَنِي آدَم فَلَا تَكْفُر بِرَبِّك . كَمَا : 1410 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : لَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : إذَا أَتَاهُمَا - يَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - إنْسَان يُرِيد السِّحْر وَعَظَاهُ وَقَالَا لَهُ : لَا تَكْفُر إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَإِنْ أَبَى قَالَا لَهُ : ائْتِ هَذَا الرَّمَاد فَبُلْ عَلَيْهِ . فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْهُ نُور يَسْطَع حَتَّى يَدْخُل السَّمَاء , وَذَلِك الْإِيمَان - وَقِيلَ شَيْء أَسْوَد كَهَيْئَةِ الدُّخَان - حَتَّى يَدْخُل فِي مَسَامِعه وَكُلّ شَيْء مِنْهُ , فَلِذَلِك غَضِبَ اللَّه , فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا بِذَلِك عَلَّمَاهُ السِّحْر . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } الْآيَة . 1411 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن : { حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1412 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ قَتَادَة : كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1413 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ غَيْر قَتَادَة : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَتَقَدَّمَا إلَيْهِ فَيَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَقُولَا ذَلِكَ . 1414 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخَذَ الْمِيثَاق عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر , لَا يَجْتَرِئ عَلَى السِّحْر إلَّا كَافِر . وَأَمَّا الْفِتْنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّ مَعْنَاهَا الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء , مِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر . وَقَدْ فُتِنَ النَّاس فِي دِينهمْ وَخَلَّى ابْن عَفَّان شَرًّا طَوِيلًا وَمِنْهُ قَوْله : فَتَنْت الذَّهَب فِي النَّار : إذَا امْتَحَنْتهَا لِتَعْرِف جَوْدَتهَا مِنْ رَدَاءَتهَا , أَفْتِنهُ فِتْنَة وَفُتُونًا . كَمَا : 1415 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة } أَيْ بَلَاء . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , وَلَيْسَ بِجَوَابِ لِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد } بَلْ هُوَ خَبَر مُسْتَأْنَف ; وَلِذَلِك رُفِعَ , فَقِيلَ : فَيَتَعَلَّمُونَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَيَأْبَوْنَ قَبُول ذَلِكَ مِنْهُمَا فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ قَوْله : { يَتَعَلَّمُونَ } خَبَر عَنْ الْيَهُود مَعْطُوف عَلَى قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . وَاَلَّذِي قُلْنَا أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة ; لِأَنَّ إلْحَاق ذَلِكَ بِاَلَّذِي يَلِيه مِنْ الْكَلَام مَا كَانَ لِلتَّأْوِيلِ وَجْه صَحِيح أَوْلَى مِنْ إلْحَاقه بِمَا قَدْ حِيلَ بَيْنه وَبَيْنه مِنْ مُعْتَرِض الْكَلَام . وَالْهَاء وَالْمِيم وَالْأَلِف مِنْ قَوْله : { مِنْهُمَا } مِنْ ذِكْر الْمَلَكَيْنِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَيَتَعَلَّم النَّاس مِنْ الْمَلَكَيْنِ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . و " مَا " الَّتِي مَعَ " يُفَرِّقُونَ " بِمَعْنَى " الَّذِي " . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : السِّحْر الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ , وَقِيلَ : هُوَ مَعْنَى غَيْر السِّحْر . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَمَّا الْمَرْء فَإِنَّهُ بِمَعْنَى رَجُل مِنْ أَسْمَاء بَنِي آدَم , وَالْأُنْثَى مِنْهُ الْمَرْأَة ; يُوَحَّد وَيُثَنَّى , وَلَا تُجْمَع ثَلَاثَته عَلَى صُورَته , يُقَال مِنْهُ : هَذَا امْرُؤُ صَالِح , وَهَذَانِ امْرَآنِ صَالِحَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرُؤُ صِدْق , وَلَكِنْ يُقَال : هَؤُلَاءِ رِجَال صِدْق , وَقَوْم صِدْق . وَكَذَلِك الْمَرْأَة تُوَحَّد وَتُثَنَّى وَلَا تُجْمَع عَلَى صُورَتهَا , يُقَال : هَذِهِ امْرَأَة وَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرَآتُ , وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ نِسْوَة . وَأَمَّا الزَّوْج , فَإِنَّ أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُل : هِيَ زَوْجه , بِمَنْزِلَةِ الزَّوْج الذَّكَر ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك } 33 37 وَتَمِيم وَكَثِير مِنْ قَيْس وَأَهْل نَجْد يَقُولُونَ : زَوْجَته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي يُحَرِّش زَوْجَتِي كَمَاشٍ إلَى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلهَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يُفَرِّق السَّاحِر بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ قِيلَ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى السِّحْر تَخْيِيل الشَّيْء إلَى الْمَرْء بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي عَيْنه وَحَقِيقَته بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا بِاَلَّذِي اسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ , فَتَفْرِيقه بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه تَخْيِيله بِسِحْرِهِ إلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا شَخْص الْآخَر عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَته مِنْ حُسْن وَجَمَال حَتَّى يُقَبِّحهُ عِنْده فَيَنْصَرِف بِوَجْهِهِ وَيَعْرِض عَنْهُ حَتَّى يُحْدِث الزَّوْج لِامْرَأَتِهِ فِرَاقًا , فَيَكُون السَّاحِر مُفَرِّقًا بَيْنهمَا بِإِحْدَاثِهِ السَّبَب الَّذِينَ كَانَ مِنْهُ فُرْقَة مَا بَيْنهمَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَرَب تُضِيف الشَّيْء إلَى مُسَبِّبه مِنْ أَجْل تَسَبُّبه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاشَرَ فِعْل مَا حَدَثَ عَنْ السَّبَب , بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع ; فَكَذَلِك تَفْرِيق السَّاحِر بِسِحْرِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَهُ عَدَد مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1416 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَتَفْرِيقهمَا أَنْ يُؤْخَذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبه , وَيُبْغِض كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا إلَى صَاحِبه . وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَكُون الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيل قَوْله : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } إلَى " فَيَتَعَلَّمُونَ " مَكَان مَا عَلَّمَاهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَقَوْلِ الْقَائِل : لَيْتَ لِمَا كَذَا مِنْ كَذَا , أَيْ مَكَان كَذَا . كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات وَطْبًا وَعُلْبَة وَصَرًّا لِأَخْلَافِ الْمُزَمَّمَة الْبَزْل وَمِنْ كُلّ أَخْلَاق الْكِرَام نَمِيمَة وَسَعْيًا عَلَى الْجَار الْمُجَاوِر بِالنَّجْلِ يُرِيد بِقَوْلِهِ : " جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات " , مَكَان خَيْرَات الدُّنْيَا هَذِهِ الْأَخْلَاق الرَّدِيئَة وَالْأَفْعَال الدَّنِيئَة . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : صَلُدْت صِفَاتك أَنْ تَلِينَ حُيُودهَا وَوَرِثْت مِنْ سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا يَعْنِي وَرِثْت مَكَان سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا مِنْ وَالِدَيْك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , وَلَيْسَ بِجَوَابِ لِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد } بَلْ هُوَ خَبَر مُسْتَأْنَف ; وَلِذَلِك رُفِعَ , فَقِيلَ : فَيَتَعَلَّمُونَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَيَأْبَوْنَ قَبُول ذَلِكَ مِنْهُمَا فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ قَوْله : { يَتَعَلَّمُونَ } خَبَر عَنْ الْيَهُود مَعْطُوف عَلَى قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . وَاَلَّذِي قُلْنَا أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة ; لِأَنَّ إلْحَاق ذَلِكَ بِاَلَّذِي يَلِيه مِنْ الْكَلَام مَا كَانَ لِلتَّأْوِيلِ وَجْه صَحِيح أَوْلَى مِنْ إلْحَاقه بِمَا قَدْ حِيلَ بَيْنه وَبَيْنه مِنْ مُعْتَرِض الْكَلَام . وَالْهَاء وَالْمِيم وَالْأَلِف مِنْ قَوْله : { مِنْهُمَا } مِنْ ذِكْر الْمَلَكَيْنِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَيَتَعَلَّم النَّاس مِنْ الْمَلَكَيْنِ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . و " مَا " الَّتِي مَعَ " يُفَرِّقُونَ " بِمَعْنَى " الَّذِي " . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : السِّحْر الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ , وَقِيلَ : هُوَ مَعْنَى غَيْر السِّحْر . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَمَّا الْمَرْء فَإِنَّهُ بِمَعْنَى رَجُل مِنْ أَسْمَاء بَنِي آدَم , وَالْأُنْثَى مِنْهُ الْمَرْأَة ; يُوَحَّد وَيُثَنَّى , وَلَا تُجْمَع ثَلَاثَته عَلَى صُورَته , يُقَال مِنْهُ : هَذَا امْرُؤُ صَالِح , وَهَذَانِ امْرَآنِ صَالِحَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرُؤُ صِدْق , وَلَكِنْ يُقَال : هَؤُلَاءِ رِجَال صِدْق , وَقَوْم صِدْق . وَكَذَلِك الْمَرْأَة تُوَحَّد وَتُثَنَّى وَلَا تُجْمَع عَلَى صُورَتهَا , يُقَال : هَذِهِ امْرَأَة وَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرَآتُ , وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ نِسْوَة . وَأَمَّا الزَّوْج , فَإِنَّ أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُل : هِيَ زَوْجه , بِمَنْزِلَةِ الزَّوْج الذَّكَر ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك } 33 37 وَتَمِيم وَكَثِير مِنْ قَيْس وَأَهْل نَجْد يَقُولُونَ : زَوْجَته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي يُحَرِّش زَوْجَتِي كَمَاشٍ إلَى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلهَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يُفَرِّق السَّاحِر بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ قِيلَ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى السِّحْر تَخْيِيل الشَّيْء إلَى الْمَرْء بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي عَيْنه وَحَقِيقَته بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا بِاَلَّذِي اسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ , فَتَفْرِيقه بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه تَخْيِيله بِسِحْرِهِ إلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا شَخْص الْآخَر عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَته مِنْ حُسْن وَجَمَال حَتَّى يُقَبِّحهُ عِنْده فَيَنْصَرِف بِوَجْهِهِ وَيَعْرِض عَنْهُ حَتَّى يُحْدِث الزَّوْج لِامْرَأَتِهِ فِرَاقًا , فَيَكُون السَّاحِر مُفَرِّقًا بَيْنهمَا بِإِحْدَاثِهِ السَّبَب الَّذِينَ كَانَ مِنْهُ فُرْقَة مَا بَيْنهمَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَرَب تُضِيف الشَّيْء إلَى مُسَبِّبه مِنْ أَجْل تَسَبُّبه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاشَرَ فِعْل مَا حَدَثَ عَنْ السَّبَب , بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع ; فَكَذَلِك تَفْرِيق السَّاحِر بِسِحْرِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَهُ عَدَد مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1416 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَتَفْرِيقهمَا أَنْ يُؤْخَذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبه , وَيُبْغِض كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا إلَى صَاحِبه . وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَكُون الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيل قَوْله : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } إلَى " فَيَتَعَلَّمُونَ " مَكَان مَا عَلَّمَاهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَقَوْلِ الْقَائِل : لَيْتَ لِمَا كَذَا مِنْ كَذَا , أَيْ مَكَان كَذَا . كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات وَطْبًا وَعُلْبَة وَصَرًّا لِأَخْلَافِ الْمُزَمَّمَة الْبَزْل وَمِنْ كُلّ أَخْلَاق الْكِرَام نَمِيمَة وَسَعْيًا عَلَى الْجَار الْمُجَاوِر بِالنَّجْلِ يُرِيد بِقَوْلِهِ : " جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات " , مَكَان خَيْرَات الدُّنْيَا هَذِهِ الْأَخْلَاق الرَّدِيئَة وَالْأَفْعَال الدَّنِيئَة . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : صَلُدْت صِفَاتك أَنْ تَلِينَ حُيُودهَا وَوَرِثْت مِنْ سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا يَعْنِي وَرِثْت مَكَان سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا مِنْ وَالِدَيْك .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } وَمَا الْمُتَعَلِّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , بِضَارِّينَ - بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه - مِنْ أَحَد مِنْ النَّاس , إلَّا مَنْ قَدْ قَضَى اللَّه عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرّهُ ; فَأَمَّا مَنْ دَفَعَ اللَّه عَنْهُ ضُرّه وَحَفِظَهُ مِنْ مَكْرُوه السِّحْر وَالتَّفَث وَالرُّقَى , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر ضَارّه وَلَا نَائِله أَذَاهُ . وَلِلْإِذْنِ فِي كَلَام الْعَرَب أَوْجُه : مِنْهَا الْأَمْر عَلَى غَيْر وَجْه الْإِلْزَام , وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِنْهُ قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } لِأَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَحَلِيلَته بِغَيْرِ سِحْر - فَكَيْف بِهِ عَلَى وَجْه السِّحْر - عَلَى لِسَان الْأُمَّة . وَمِنْهَا التَّخْلِيَة بَيْن الْمَأْذُون لَهُ وَالْمُخَلَّى بَيْنه وَبَيْنه . وَمِنْهَا الْعِلْم بِالشَّيْءِ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَذِنْت بِهَذَا الْأَمْر , إذَا عَلِمْت بِهِ , آذَن بِهِ إذْنًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : أَلَا يَا هِنْد إنْ جَدَّدْت وَصْلًا وَإِلَّا فَأْذَنِينِي بِانْصِرَامِ يَعْنِي فَأَعْلِمِينِي . وَمِنْهُ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَأْذَنُوا بِحَرْبِ مِنْ اللَّه } 2 279 وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَة , كَأَنَّهُ قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ } بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوا مِنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَحَد إلَّا بِعِلْمِ اللَّه . يَعْنِي بِاَلَّذِي سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَضُرّهُ . كَمَا : 1417 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان فِي قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَالَ : بِقَضَاءِ اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } وَمَا الْمُتَعَلِّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , بِضَارِّينَ - بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه - مِنْ أَحَد مِنْ النَّاس , إلَّا مَنْ قَدْ قَضَى اللَّه عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرّهُ ; فَأَمَّا مَنْ دَفَعَ اللَّه عَنْهُ ضُرّه وَحَفِظَهُ مِنْ مَكْرُوه السِّحْر وَالتَّفَث وَالرُّقَى , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر ضَارّه وَلَا نَائِله أَذَاهُ . وَلِلْإِذْنِ فِي كَلَام الْعَرَب أَوْجُه : مِنْهَا الْأَمْر عَلَى غَيْر وَجْه الْإِلْزَام , وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِنْهُ قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } لِأَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَحَلِيلَته بِغَيْرِ سِحْر - فَكَيْف بِهِ عَلَى وَجْه السِّحْر - عَلَى لِسَان الْأُمَّة . وَمِنْهَا التَّخْلِيَة بَيْن الْمَأْذُون لَهُ وَالْمُخَلَّى بَيْنه وَبَيْنه . وَمِنْهَا الْعِلْم بِالشَّيْءِ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَذِنْت بِهَذَا الْأَمْر , إذَا عَلِمْت بِهِ , آذَن بِهِ إذْنًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : أَلَا يَا هِنْد إنْ جَدَّدْت وَصْلًا وَإِلَّا فَأْذَنِينِي بِانْصِرَامِ يَعْنِي فَأَعْلِمِينِي . وَمِنْهُ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَأْذَنُوا بِحَرْبِ مِنْ اللَّه } 2 279 وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَة , كَأَنَّهُ قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ } بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوا مِنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَحَد إلَّا بِعِلْمِ اللَّه . يَعْنِي بِاَلَّذِي سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَضُرّهُ . كَمَا : 1417 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان فِي قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَالَ : بِقَضَاءِ اللَّه . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ } . يَعْنِي بِذَلِك جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَتَعَلَّمُونَ } أَيْ النَّاس الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ , مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْر الَّذِي يَضُرّهُمْ فِي دِينهمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ فِي مُعَادهمْ . فَأَمَّا فِي الْعَاجِل فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَكْسِبُونَ بِهِ وَيُصِيبُونَ بِهِ مَعَاشًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ } . يَعْنِي بِذَلِك جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَتَعَلَّمُونَ } أَيْ النَّاس الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ , مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْر الَّذِي يَضُرّهُمْ فِي دِينهمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ فِي مُعَادهمْ . فَأَمَّا فِي الْعَاجِل فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَكْسِبُونَ بِهِ وَيُصِيبُونَ بِهِ مَعَاشًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } الْفَرِيق الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ , نَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ , { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : لَقَدْ عَلِمَ النَّابِذُونَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل كِتَابِي وَرَاء ظُهُورهمْ تَجَاهُلًا مِنْهُمْ , التَّارِكُونَ الْعَمَل بِمَا فِيهِ , مِنْ اتِّبَاعك يَا مُحَمَّد وَاتِّبَاع مَا جِئْت بِهِ , بَعْد إنْزَالِي إلَيْك كِتَابِي مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ , وَبَعْد إرْسَالك إلَيْهِمْ بِالْإِقْرَارِ بِمَا مَعَهُمْ وَمَا فِي أَيْدِيهمْ , الْمُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ اتِّبَاع السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان , وَاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت لِمَنْ اشْتَرَى السِّحْر بِكِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى رَسُولِي فَآثَرَهُ عَلَيْهِ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . كَمَا : 1418 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب فِي عَهْد اللَّه إلَيْهِمْ أَنَّ السَّاحِر لَا خَلَاق لَهُ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة . 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قُلْ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي الْيَهُود , يَقُول : لَقَدْ عَلِمْت الْيَهُود أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . 1420 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } لَمَنْ اشْتَرَى مَا يُفَرِّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1421 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ يَهُود أَنَّ فِي كِتَاب اللَّه فِي التَّوْرَاة أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر وَتَرَكَ دِين . اللَّه مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , فَالنَّار مَثْوَاهُ وَمَأْوَاهُ . وَأَمَّا قَوْله : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } فَإِنَّ " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَلَيْسَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } بِعَامِلِ فِيهَا ; لِأَنَّ قَوْله : { عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين ; فَلِذَلِك كَانَتْ فِي مَوْضِع رَفْع , لِأَنَّ الْكَلَام بِمَعْنَى : وَاَللَّه لَمَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . وَلِكَوْنِ قَوْله : { قَدْ عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين حُقِّقَتْ بِلَامِ الْيَمِين , فَقِيلَ : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } كَمَا يُقَال : أُقْسِم لَمَنْ قَامَ خَيْر مِمَّنْ قَعَدَ , وَكَمَا يُقَال : قَدْ عَلِمْت لَعَمْرو خَيْر مِنْ أَبِيك . وَأَمَّا " مَنْ " فَهُوَ حَرْف جَزَاء . وَإِنَّمَا قِيلَ " اشْتَرَاهُ " وَلَمْ يَقُلْ " يَشْتَرُوهُ " , لِدُخُولِ لَام الْقَسَم عَلَى " مَنْ " , وَمِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا أَحْدَثَتْ عَلَى حَرْف الْجَزَاء لَامَ الْقَسَم أَنْ لَا يَنْطِقُوا فِي الْفِعْل مَعَهُ إلَّا ب " فِعْل " دُون " يَفْعَل " إلَّا قَلِيلًا كَرَاهِيَة أَنْ يُحْدِثُوا عَلَى الْجَزَاء حَادِثًا ; وَهُوَ مَجْزُوم , كَمَا قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ } 59 12 وَقَدْ يَجُوز إظْهَار فِعْله بَعْده عَلَى " يَفْعَل " مَجْزُومًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتكُمْ لِيَعْلَم رَبِّي أَنَّ بَيْتِي وَاسِع وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمُصِيب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1422 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : مِنْ نَصِيب . 1423 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط . عَنْ السُّدِّيّ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مِنْ نَصِيب . 1424 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي إسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ سُفْيَان : سَمِعْنَا فِي : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَنَّهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ نَصِيب . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْحُجَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1425 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق . قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة حُجَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق : الدِّين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1426 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ دِين . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْقِوَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1427 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قِوَام . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : النَّصِيب ; وَذَلِك أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيُؤَيِّدَن اللَّه هَذَا الدِّين بِأَقْوَامِ لَا خَلَاق لَهُمْ " يَعْنِي لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام وَالدِّين . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاق لَهُمْ إلَّا سَرَابِيل مِنْ قَطْر وَأَغْلَال يَعْنِي بِذَلِك : لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ إلَّا السَّرَابِيل وَالْأَغْلَال . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مَا لَهُ فِي الدَّار الْآخِرَة حَظّ مِنْ الْجَنَّة مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمَان وَلَا دِين وَلَا عَمَل صَالِح يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّة وَيُثَاب عَلَيْهِ , فَيَكُون لَهُ حَظّ وَنَصِيب مِنْ الْجَنَّة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيب لَهُ مِنْ جَزَاء وَثَوَاب وَجَنَّة دُون نَصِيبه مِنْ النَّار . إذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَفَعَالَهُمْ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلهَا أَنْ يَكُون لَهُمْ فِي الْآخِرَة نَصِيب عَلَى مُرَاده مِنْ الْخَيْر , وَأَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْخَيْرَات , وَأَمَّا مِنْ الشُّرُور فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } الْفَرِيق الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ , نَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ , { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : لَقَدْ عَلِمَ النَّابِذُونَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل كِتَابِي وَرَاء ظُهُورهمْ تَجَاهُلًا مِنْهُمْ , التَّارِكُونَ الْعَمَل بِمَا فِيهِ , مِنْ اتِّبَاعك يَا مُحَمَّد وَاتِّبَاع مَا جِئْت بِهِ , بَعْد إنْزَالِي إلَيْك كِتَابِي مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ , وَبَعْد إرْسَالك إلَيْهِمْ بِالْإِقْرَارِ بِمَا مَعَهُمْ وَمَا فِي أَيْدِيهمْ , الْمُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ اتِّبَاع السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان , وَاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت لِمَنْ اشْتَرَى السِّحْر بِكِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى رَسُولِي فَآثَرَهُ عَلَيْهِ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . كَمَا : 1418 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب فِي عَهْد اللَّه إلَيْهِمْ أَنَّ السَّاحِر لَا خَلَاق لَهُ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة . 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قُلْ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي الْيَهُود , يَقُول : لَقَدْ عَلِمْت الْيَهُود أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . 1420 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } لَمَنْ اشْتَرَى مَا يُفَرِّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1421 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ يَهُود أَنَّ فِي كِتَاب اللَّه فِي التَّوْرَاة أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر وَتَرَكَ دِين . اللَّه مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , فَالنَّار مَثْوَاهُ وَمَأْوَاهُ . وَأَمَّا قَوْله : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } فَإِنَّ " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَلَيْسَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } بِعَامِلِ فِيهَا ; لِأَنَّ قَوْله : { عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين ; فَلِذَلِك كَانَتْ فِي مَوْضِع رَفْع , لِأَنَّ الْكَلَام بِمَعْنَى : وَاَللَّه لَمَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . وَلِكَوْنِ قَوْله : { قَدْ عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين حُقِّقَتْ بِلَامِ الْيَمِين , فَقِيلَ : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } كَمَا يُقَال : أُقْسِم لَمَنْ قَامَ خَيْر مِمَّنْ قَعَدَ , وَكَمَا يُقَال : قَدْ عَلِمْت لَعَمْرو خَيْر مِنْ أَبِيك . وَأَمَّا " مَنْ " فَهُوَ حَرْف جَزَاء . وَإِنَّمَا قِيلَ " اشْتَرَاهُ " وَلَمْ يَقُلْ " يَشْتَرُوهُ " , لِدُخُولِ لَام الْقَسَم عَلَى " مَنْ " , وَمِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا أَحْدَثَتْ عَلَى حَرْف الْجَزَاء لَامَ الْقَسَم أَنْ لَا يَنْطِقُوا فِي الْفِعْل مَعَهُ إلَّا ب " فِعْل " دُون " يَفْعَل " إلَّا قَلِيلًا كَرَاهِيَة أَنْ يُحْدِثُوا عَلَى الْجَزَاء حَادِثًا ; وَهُوَ مَجْزُوم , كَمَا قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ } 59 12 وَقَدْ يَجُوز إظْهَار فِعْله بَعْده عَلَى " يَفْعَل " مَجْزُومًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتكُمْ لِيَعْلَم رَبِّي أَنَّ بَيْتِي وَاسِع وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمُصِيب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1422 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : مِنْ نَصِيب . 1423 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط . عَنْ السُّدِّيّ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مِنْ نَصِيب . 1424 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي إسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ سُفْيَان : سَمِعْنَا فِي : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَنَّهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ نَصِيب . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْحُجَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1425 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق . قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة حُجَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق : الدِّين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1426 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ دِين . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْقِوَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1427 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قِوَام . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : النَّصِيب ; وَذَلِك أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيُؤَيِّدَن اللَّه هَذَا الدِّين بِأَقْوَامِ لَا خَلَاق لَهُمْ " يَعْنِي لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام وَالدِّين . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاق لَهُمْ إلَّا سَرَابِيل مِنْ قَطْر وَأَغْلَال يَعْنِي بِذَلِك : لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ إلَّا السَّرَابِيل وَالْأَغْلَال . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مَا لَهُ فِي الدَّار الْآخِرَة حَظّ مِنْ الْجَنَّة مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمَان وَلَا دِين وَلَا عَمَل صَالِح يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّة وَيُثَاب عَلَيْهِ , فَيَكُون لَهُ حَظّ وَنَصِيب مِنْ الْجَنَّة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيب لَهُ مِنْ جَزَاء وَثَوَاب وَجَنَّة دُون نَصِيبه مِنْ النَّار . إذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَفَعَالَهُمْ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلهَا أَنْ يَكُون لَهُمْ فِي الْآخِرَة نَصِيب عَلَى مُرَاده مِنْ الْخَيْر , وَأَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْخَيْرَات , وَأَمَّا مِنْ الشُّرُور فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر رَحِمَهُ اللَّه : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا : بَاعُوا ; فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسه مِنْ تَعَلُّم السِّحْر لَوْ كَانَ يَعْلَم سُوء عَاقِبَته . كَمَا : 1428 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَقُول : بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَقَدْ قَالَ قَبْل : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَكَيْف يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْر فَلَا خَلَاق لَهُمْ , وَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِالسِّحْرِ أَنْفُسهمْ ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْجَهْلِ بِمَا هُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ بِهِ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا هُمْ ضَارُّونَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ , وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ , وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . فَقَوْله : { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ذَمّ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِعْل الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَخَبَر مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ بِرِضَاهُمْ بِالسِّحْرِ عِوَضًا عَنْ دِينهمْ الَّذِي بِهِ نَجَاة أَنْفُسهمْ مِنْ الْهَلَكَة , جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَة فِعْلهمْ وَخَسَارَة صَفْقَة بَيْعهمْ , إذْ كَانَ قَدْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَعْرِف اللَّه وَلَا يَعْرِف حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه . ثُمَّ عَادَ إلَى الْفَرِيق الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان , وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَاصِي اللَّه عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِهَا , وَيَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَرُسُله , وَيُؤْثِرُونَ اتِّبَاع الشَّيَاطِين , وَالْعَمَل بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى الْعَمَل بِكِتَابِهِ وَوَحْيه وَتَنْزِيله , عِنَادًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَى رُسُله , وَتَعَدِّيًا مِنْهُمْ لِحُدُودِهِ , عَلَى مَعْرِفَة مِنْهُمْ بِمَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب وَالْعَذَاب , فَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الزَّاعِمِينَ أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي بِهِ الشَّيَاطِين , وَأَنَّ قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِهِ النَّاس . وَذَلِك قَوْل لِجَمِيعِ أَهْل التَّأْوِيل مُخَالِف ; وَذَلِك أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } مَعْنِيّ بِهِ الْيَهُود دُون الشَّيَاطِين . ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلَاف مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ الْآيَات قَبْل قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } وَبَعْد قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } جَاءَتْ مِنْ اللَّه بِذَمِّ الْيَهُود , وَتَوْبِيخهمْ عَلَى ضَلَالهمْ , وَذَمًّا لَهُمْ عَلَى نَبْذهمْ وَحْي اللَّه وَآيَات كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ , مَعَ عِلْمهمْ بِخَطَأِ فِعْلهمْ . فَقَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَحَد تِلْكَ الْأَخْبَار عَنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَنَفَى عَنْهُمْ الْعِلْم هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ جَلّ ثَنَاؤُهُ الْعِلْم بِقَوْلِهِ : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } بَعْد وَصْفه إيَّاهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا , وَإِنَّمَا الْعَالِم الْعَامِل بِعِلْمِهِ , وَأَمَّا إذَا خَالَفَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ فَهُوَ فِي مَعَانِي الْجُهَّال . قَالَ : وَقَدْ يُقَال لِلْفَاعِلِ الْفِعْل بِخِلَافِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ عَالِمًا : لَوْ عَلِمْت لَأَقْصَرْت ; كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر الْمُزَنِيُّ , وَهُوَ يَصِف ذِئْبًا وَغُرَابًا تَبِعَاهُ لِيَنَالَا مِنْ طَعَامه وَزَاده : إذَا حَضَرَانِي قُلْت لَوْ تَعَلَّمْنَا بِهِ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنْ الزَّاد مُرْمِل فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : لَوْ تَعْلَمَانِهِ , فَنَفَى عَنْهُمَا الْعِلْم . ثُمَّ اسْتَخْبَرَهُمَا فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمَا . قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } و { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَهَذَا تَأْوِيل وَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَج وَوَجْه فَإِنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر الْمَفْهُوم بِنَفْسِ الْخِطَاب . أَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْرَاج . وَتَأْوِيل الْقُرْآن عَلَى الْمَفْهُوم الظَّاهِر الْخِطَاب دُون الْخَفِيّ الْبَاطِن مِنْهُ , حَتَّى تَأْتِي دَلَالَة مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِمَعْنَى خِلَاف دَلِيله الظَّاهِر الْمُتَعَارَف فِي أَهْل اللِّسَان الَّذِينَ بِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآن , أَوْلَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر رَحِمَهُ اللَّه : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا : بَاعُوا ; فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسه مِنْ تَعَلُّم السِّحْر لَوْ كَانَ يَعْلَم سُوء عَاقِبَته . كَمَا : 1428 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَقُول : بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَقَدْ قَالَ قَبْل : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَكَيْف يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْر فَلَا خَلَاق لَهُمْ , وَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِالسِّحْرِ أَنْفُسهمْ ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْجَهْلِ بِمَا هُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ بِهِ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا هُمْ ضَارُّونَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ , وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ , وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . فَقَوْله : { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ذَمّ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِعْل الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَخَبَر مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ بِرِضَاهُمْ بِالسِّحْرِ عِوَضًا عَنْ دِينهمْ الَّذِي بِهِ نَجَاة أَنْفُسهمْ مِنْ الْهَلَكَة , جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَة فِعْلهمْ وَخَسَارَة صَفْقَة بَيْعهمْ , إذْ كَانَ قَدْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَعْرِف اللَّه وَلَا يَعْرِف حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه . ثُمَّ عَادَ إلَى الْفَرِيق الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان , وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَاصِي اللَّه عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِهَا , وَيَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَرُسُله , وَيُؤْثِرُونَ اتِّبَاع الشَّيَاطِين , وَالْعَمَل بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى الْعَمَل بِكِتَابِهِ وَوَحْيه وَتَنْزِيله , عِنَادًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَى رُسُله , وَتَعَدِّيًا مِنْهُمْ لِحُدُودِهِ , عَلَى مَعْرِفَة مِنْهُمْ بِمَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب وَالْعَذَاب , فَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الزَّاعِمِينَ أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي بِهِ الشَّيَاطِين , وَأَنَّ قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِهِ النَّاس . وَذَلِك قَوْل لِجَمِيعِ أَهْل التَّأْوِيل مُخَالِف ; وَذَلِك أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } مَعْنِيّ بِهِ الْيَهُود دُون الشَّيَاطِين . ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلَاف مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ الْآيَات قَبْل قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } وَبَعْد قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } جَاءَتْ مِنْ اللَّه بِذَمِّ الْيَهُود , وَتَوْبِيخهمْ عَلَى ضَلَالهمْ , وَذَمًّا لَهُمْ عَلَى نَبْذهمْ وَحْي اللَّه وَآيَات كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ , مَعَ عِلْمهمْ بِخَطَأِ فِعْلهمْ . فَقَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَحَد تِلْكَ الْأَخْبَار عَنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَنَفَى عَنْهُمْ الْعِلْم هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ جَلّ ثَنَاؤُهُ الْعِلْم بِقَوْلِهِ : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } بَعْد وَصْفه إيَّاهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا , وَإِنَّمَا الْعَالِم الْعَامِل بِعِلْمِهِ , وَأَمَّا إذَا خَالَفَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ فَهُوَ فِي مَعَانِي الْجُهَّال . قَالَ : وَقَدْ يُقَال لِلْفَاعِلِ الْفِعْل بِخِلَافِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ عَالِمًا : لَوْ عَلِمْت لَأَقْصَرْت ; كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر الْمُزَنِيُّ , وَهُوَ يَصِف ذِئْبًا وَغُرَابًا تَبِعَاهُ لِيَنَالَا مِنْ طَعَامه وَزَاده : إذَا حَضَرَانِي قُلْت لَوْ تَعَلَّمْنَا بِهِ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنْ الزَّاد مُرْمِل فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : لَوْ تَعْلَمَانِهِ , فَنَفَى عَنْهُمَا الْعِلْم . ثُمَّ اسْتَخْبَرَهُمَا فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمَا . قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } و { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَهَذَا تَأْوِيل وَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَج وَوَجْه فَإِنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر الْمَفْهُوم بِنَفْسِ الْخِطَاب . أَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْرَاج . وَتَأْوِيل الْقُرْآن عَلَى الْمَفْهُوم الظَّاهِر الْخِطَاب دُون الْخَفِيّ الْبَاطِن مِنْهُ , حَتَّى تَأْتِي دَلَالَة مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِمَعْنَى خِلَاف دَلِيله الظَّاهِر الْمُتَعَارَف فِي أَهْل اللِّسَان الَّذِينَ بِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآن , أَوْلَى .'

تفسير القرطبي

فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر أيضا، وهم اليهود. وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت. وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله عز وجل { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا. وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان، ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان! وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به فقال { واتبعوا ما تتلوا الشياطين} . قال عطاء { تتلو} تقرأ من التلاوة. وقال ابن عباس { تتلو} تتبع، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا. وقال الطبري { اتبعوا} بمعنى فضلوا. قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره، ومعنى { تتلو} يعني تلت، فهو بمعنى المضي، قال الشاعر : وإذا مررت بقبره فاعقر به ** كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها ** فلقد يكون أخادم وذبائح أي فلقد كان. و { ما} مفعول بـ { اتبعوا} أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته. وقيل { ما} نفي، وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته، قال ابن العربي. { على ملك سليمان} أي على شرعه ونبوته. قال الزجاج : قال الفراء على عهد ملك سليمان. وقيل : المعنى في ملك سليمان، يعني في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفراء : تصلح على وفي، في مثل هذا الموضع. وقال { على} ولم يقل بعد لقوله تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج : 52] أي في تلاوته. وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، فلا معنى لإعادته. والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن، وهو المفهوم من هذا الاسم. وقيل : المراد شياطين الإنس المتمردون في الضلال، كقول جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي ** وكن يهوينني إذ كنت شيطانا الثانية: قوله تعالى { وما كفر سليمان} تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر. { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} فأثبت كفرهم بتعليم السحر. و { يعلمون} في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ثان. وقرأ الكوفيون سوى عاصم { ولكن الشياطين} بتخفيف { لكن} ، ورفع النون من { الشياطين} ، وكذلك في الأنفال { ولكن الله رمى} [الأنفال:17] ووافقهم ابن عامر. الباقون بالتشديد والنصب. و { لكن} كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا، ك، إن. { لا} نفي، و { الكاف} خطاب، و { إن} إثبات وتحقيق، فذهبت الهمزة استثقالا، وهي تثقل وتخفف، فإذا ثقلت نصبت كإن الثقيلة، وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة. الثالثة:السحر، قيل : السحر أصله التمويه والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، وكذلك إذا عللته، والتسحير مثله، قال لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا ** عصافير من هذا الأنام المسحر آخر : أرانا موضعين لأمر غيب ** ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود ** وأجرأ من مجلحة الذئاب وقوله تعالى { إنما أنت من المسحرين} [الشعراء:153] يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر، ويقال من المعللين، أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب. وقيل : أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. وقيل : أصله الصرف، يقال : ما سحرك عن كذا، أي ما صرفك عنه، فالسحر مصروف عن جهته. وقيل : أصله الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك. وقيل في قوله تعالى { بل نحن قوم مسحورون} [الحجر:15] أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري : السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وقد سحره يسحره سحرا. والساحر : العالم، وسحره أيضا بمعنى خدعه، وقد ذكرناه. وقال ابن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب، قال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات ** في عضه العاضه المعضه واختلف هل له حقيقة أم لا، فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة وأمراض. قال : وعندنا أصله طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصي فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر. قلت : وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي : البريد لخفة سيره. قال ابن فارس في المجمل : الشعوذة ليست من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر، ومنه ما يكون كلاما يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى. وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. الخامسة: سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا، فقال : (إن من البيان لسحرا) أخرجه مالك وغيره. وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام : (إن من البيان لسحرا) خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسحر. وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان، قاله جماعة من أهل العلم. والأول أصح، والدليل عليه قوله عليه السلام : (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، وقوله : (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون). الثرثرة : كثرة الكلام وترديده، يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار. والمتفيهق نحوه. قال ابن دريد. فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع، قال : وأصله الفهق وهو الامتلاء، كأنه ملأ به فمه. قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم : (إن من البيان لسحرا) فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. وهذا بين، والحمد لله. السادسة: من السحر ما يكون كفرا من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، قاله أبو نصر عبدالرحيم القشيري. قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الإنسان حمارا أو نحوه، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها، فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به. السابعة: ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة، كما قال تعالى { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه:66] ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال { يخيل إليه} . وقال أيضا { سحروا أعين الناس } [الأعراف:116]. وهذا لا حجة فيه، لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون { وجاؤوا بسحر عظيم} وسورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، الحديث. وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر { إن الله شفاني} . والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله. و روى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : الفرما، فمن كذب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانا. الثامنة: قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك، ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا، ولا يكون الساحر مستقلا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب - هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي - وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : (يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل). فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر. قال علي بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب. التاسعة: أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه. العاشرة: في الفرق بين السحر والمعجزة، قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد. والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها، ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة، فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها، كما تقدم في مقدمة الكتاب. الحاديةعشرة: واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي، فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة. وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (حد الساحر ضربه بالسيف) خرجه الترمذي وليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم، رواه ابن المنذر : وقد روينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب. قال ابن المنذر : وإذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب، وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك، وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك. قال ابن المنذر : وإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة وجب اتباع أشبههم بالكتاب والسنة، وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا. فإن احتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم : (حد الساحر ضربه بالسيف) فلو صح لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا، فيكون ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) قلت : وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف. والله تعالى اعلم. وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة أن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار، أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على هذا التقدير، والله تعالى أعلم. وروي عن الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل، وإن قال لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيه الدية كقتل الخطأ، وإن أضر به أدب على قدر الضرر. قال ابن العربي : وهذا باطل من وجهين، أحدهما : أنه لم يعلم السحر، وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات. الثاني : أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال { وما كفر سليمان} بقول السحر { ولكن الشياطين كفروا} به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان { إنما نحن فتنة فلا تكفر} وهذا تأكيد للبيان. احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته، لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق، وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا، قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما، والحجة لذلك قوله تعالى { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر:85] فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان. الثانيةعشرة: وأما ساحر الذمة، فقيل يقتل. وقال مالك : لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه. وقال ابن خويز منداد : فأما إذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك، فقال مرة : يستتاب وتوبته الإسلام. وقال مرة : يقتل وإن أسلم. وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب، وكذلك قال مالك في ذمي سب النبي صلى الله عليه وسلم : يستتاب وتوبته الإسلام. وقال مرة : يقتل ولا يستتاب كالمسلم. وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر : يعاقب، إلا أن يكون قتل بسحره، أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره. وقال غيره : يقتل، لأنه قد نقض العهد. ولا يرث الساحر ورثته، لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى كفرا. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل. الثالثةعشرة: واختلفوا هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور، فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المزني وكرهه الحسن البصري. وقال الشعبي : لا بأس بالنشرة. قال ابن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. الرابعةعشرة: أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن، ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته، قال الله تعالى { ولكن الشياطين كفروا } وقال { ومن الشياطين من يغوصون له} [الأنبياء:82] إلى غير ذلك من الآي، وسورة الجن تقضي بذلك، وقال عليه السلام : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس، وأحالوا روحين في جسد، والعقل لا يحيل سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم، ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم، كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء. الخامسةعشرة: قوله تعالى { وما أنزل على الملكين} { ما} نفي، والواو للعطف على قوله { وما كفر سليمان} وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله { ولكن الشياطين كفروا} . هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن، قال الله تعالى { ومن شر النفاثات في العقد} [الفلق:4]. وقال الشاعر : أعوذ بربي من النافثا ** ت.................. السادسةعشرة: إن قال قائل : كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل، فالجواب من وجوه ثلاثة : الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع، كما قال تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء:11] ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الإخوة فصاعدا، على ما يأتي بيانه في النساء. الثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون اتباعهما، كما قال تعالى { عليها تسعة عشر} [المدثر:30]. الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما، كما قال تعالى { فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن:68] وقوله { وجبريل وميكال} . وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله، كقوله تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي} [آل عمران:68] وقوله { وجبريل وميكال} [البقرة:98]، وإما لطيبه كقوله { فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن:68]، وإما لأكثريته، كقوله صلى الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا)، وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل : إن { ما} عطف على السحر وهي مفعولة، فعلى هذا يكون { ما} بمعنى الذي، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا، ولله أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة، أي محنة من الله، نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت، وإن عصيتنا هلكت. وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام - وذلك في زمن إدريس عليه السلام - عيرتهم الملائكة، فقال الله تعالى : أما إنكم لو كنتم مكانهم، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم، فقالوا : سبحانك! ما كان ينبغي لنا ذلك، قال : فاختاروا ملكين من خياركم، فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة، فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية { بيدخت} وبالفارسية { ناهيل} وبالعربية { الزهرة} اختصمت إليهما، وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله، فأجاباها وشربا الخمر وألما بها، فرآهما رجل فقتلاه، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا. وقال سالم عن أبيه عن عبدالله : فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما. وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض. قيل : بابل العراق. وقيل : بابل نهاوند، وكان ابن عمر فيما يروى عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما، ويقول : إن سهيلا كان عشارا باليمن يظلم الناس، وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت. قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:6]. { بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء:26 ، 27]. { يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء : 20]. وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات، إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم، ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء، لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح. ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء، ففي الخبر : (أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر) وهذا معنى قول الله تعالى { وكل في فلك يسبحون} [الأنبياء : 33]. فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم، ثم إن قول الملائكة { ما كان ينبغي لنا } عورة : لا تقدر على فتنتنا، وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين، وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون. السابعةعشرة: قرأ ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن { الملكين} بكسر اللام. قال ابن أبزى : هما داود وسليمان. { فما} على هذا القول أيضا نافية، وضعف هذا القول ابن العربي. وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين، فـ { ما} على هذا القول مفعولة غير نافية.. الثامنةعشرة: قوله تعالى { ببابل} بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة، وهي قطر من الأرض، قيل : العراق وما والاه. وقال ابن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل. وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين. وقال قوم : هي بالمغرب. قال ابن عطية : وهذا ضعيف. وقال قوم : هو جبل نهاوند، فالله تعالى اعلم. واختلف في تسميته ببابل، فقيل : سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ. وقيل : سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل، فبلبل الله ألسنتهم بها، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد. والبلبلة : التفريق، قال معناه الخليل. وقال أبو عمر بن عبدالبر : من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض. التاسعةعشرة: روى عبدالله بن بشر المازني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت). قال علماؤنا : إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها، وتكتمك فتنتها، فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها، والجمع لها والمنع، حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته، فالدنيا أسحر منهما، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعده ووعيده. وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها، وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حبك الشيء يعمي ويصم). الموفية عشرين: قوله تعالى { هاروت وماروت} لا ينصرف { هاروت} ، لأنه أعجمي معرفة، وكذا { ماروت} ، ويجمع هواريت ومواريت، مثل طواغيت، ويقال : هوارتة وهوار، وموارتة وموار، ومثله جالوت وطالوت، فاعلم. وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما؟ خلاف. قال الزجاج : وروي عن علي رضى الله عنه أنه قال : أي والذي أنزل على الملكين، وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه. قال الزجاج : وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم : لا تفعلوا كذا، ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه. والذي أنزل عليهما هو النهي، كأنه قولا للناس : لا تعملوا كذا، فـ { يعلمان} بمعنى يعلمان، كما قال { ولقد كرمنا بني آدم} أي أكرمنا. الحادية والعشرون: قوله تعالى { وما يعلمان من أحد} { من} زائدة للتوكيد، والتقدير : وما يعلمان أحدا. { حتى يقولا} نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ؛ ولغة هذيل وثقيف عتى بالعين المعجمة . والضمير في { يعلمان} لهاروت وماروت. وفي { يعلمان} قولان، أحدهما : أنه على بابه من التعليم. الثاني : أنه من الإعلام لا من التعليم، فـ { يعلمان} بمعنى يُعْلِمان، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم، ذكره ابن الأعرابي وابن الأنباري. قال كعب بن مالك. تعلم رسول الله أنك مدركي ** وأن وعيدا منك كالأخذ باليد وقال القطامي : تعلم أن بعد الغي رشدا ** وأن لذلك الغي انقشاعا وقال زهير : تعلمن ها لعمر الله ذا قسما ** فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك وقال آخر : تعلم أنه لا طير إلا ** على متطير وهو الثبور { إنما نحن فتنة} لما أنبأ بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها. { فلا تكفر} قالت فرقة بتعليم السحر، وقالت فرقة باستعماله. وحكى المهدوي أنه استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلال. الثانية والعشرون: قوله تعالى { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون، قال ومثله { كن فيكون} . وقيل : هو معطوف على موضع { ما يعلمان} ، لأن قوله { وما يعلمان} وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم. وقال الفراء : هي مردودة على قوله { يعلمون الناس السحر} فيتعلمون، ويكون { فيتعلمون} متصلة بقول { إنما نحن فتنة} فيأتون فيتعلمون. قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر، فإن أبى أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد فبل فيه، فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء، وهو الإيمان، ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر، فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة، لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب، ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب، بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام، وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة، وقد تقدم هذا، والحمد الله. الثالثة والعشرون:قوله تعالى { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} { ما هم} ، إشارة إلى السحرة. وقيل إلى اليهود، وقيل إلى الشياطين. { بضارين به} أي بالسحر. { من أحد} أي أحدا، ومن زائدة. { إلا بإذن الله} بإرادته وقضائه لا بأمره، لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها. وقال الزجاج { إلا بإذن الله} إلا بعلم الله. قال النحاس : وقول أبي إسحاق { إلا بإذن الله} إلا بعلم الله غلط، لأنه إنما يقال في العلم أذن، وقد أذنت أذنا. ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا. الرابعة والعشرون:قوله تعالى { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا. وقيل : يضرهم في الدنيا، لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه، لأنه يؤدب ويزجر، ويلحقه شؤم السحر. وباقي الآي بين لتقدم معانيها. { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } اللام في { ولقد علموا} لام توكيد. { لمن اشتراه} لام يمين، وهي للتوكيد أيضا. وموضع { من} رفع بالابتداء، لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيعمل بعدها. و { من} بمعنى الذي. وقال الفراء. هي للمجازاة. وقال الزجاج : ليس هذا بموضع شرط، و { من} بمعنى الذي، كما تقول : لقد علمت، لمن جاءك ما له عقل. { من خلاق} { من} زائدة، والتقدير ما له في الآخرة خلاق، ولا تزاد في الواجب، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون : تكون زائدة في الواجب، واستدلوا بقوله تعالى { يغفر لكم من ذنوبكم} [نوح:4] والخلاق : النصيب، قاله مجاهد. قال الزجاج : وكذلك هو عند أهل اللغة، إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير. وسئل عن قوله تعالى { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} فأخبر أنهم قد علموا. ثم قال: { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} فأخبر أنهم لا يعلمون، فالجواب وهو قول قطرب والأخفش : أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون. قال الزجاج وقال علي بن سليمان : الأجود عندي أن يكون { ولقد علموا} للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال { علموا} كما يقال : الزيدان قاموا. وقال الزجاج : الذين علموا علماء اليهود، ولكن قيل { لو كانوا يعلمون} أي فدخلوا في محل من يقال له : لست بعالم، لأنهم تركوا العمل بعلمهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 97 - 102


سورة البقرة اية رقم 102


سورة البقرة الايات 102 - 105

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين.. لأن النبذ يقابله الإتباع.. واتبعوا يعني اقتدوا وجعلوا طريقهم في الاهتداء هو ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان.. وكان السياق يقتضي أن يقال ما تلته الشياطين على ملك سليمان.. ولكن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن هذا الاتباع مستمر حتى الآن كأنهم لم يحددوا المسألة بزمن معين.

إنه حتى هذه اللحظة هناك من اليهود من يتبع ما تلته الشياطين على ملك سليمان، ونظرا لأن المعاصرين من اليهود قد رضوا وأخذوا من فعل أسلافهم الذين اتبعوا الشياطين فكأنهم فعلوا.

الحق سبحانه يقول: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ } ولكن الشياطين تلت وانتهت.. واستحضار اليهود لما كانت تتلوه الشياطين حتى الآن دليل على أنهم يؤمنون به ويصدقونه.. الشياطين هم العصاة من الجن.. والجن فيهم العاصون والطائعون والمؤمنون.. وإقرأ قوله تعالى:
{  وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً }
[الجن: 11]

وقوله سبحانه عن الجن:
{  وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ }
[الجن: 14]

إذن الجن فيهم المؤمن والكافر.. والمؤمنون من الجن فيهم الطائع والعاصي.. والشياطين هم مردةُ الجنِ المتمردون على منهج الله.. وكل متمرد على منهج الله نسميه شيطانا.. سواء كان من الجن أو من الإنس.. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً }
[الأنعام: 112]

إذن فالشياطين هم المتمردون على منهج الله.. قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ }.. يعني ما كانت تتلو الشياطين أيام ملك سليمان..

ولكن ما هي قصة ملك سليمان والشياطين؟.. الشياطين كانوا قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض.. وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من الملائكةِ وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب والخرافات.. فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل.. ولذلك قال الله تبارك وتعالى:
{  وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ }
[الأنعام: 121]

وكان الشياطين قبل نزول القرآن يستقرون السمع، ولكن عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إمتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين خرافاتهم في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في القرآن.. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
{  وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً }
[الجن: 9]

أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه.. ولكن عند نزول القرآن أرسل الله سبحانه وتعالى الشهب ـ وهي النجوم المحترقة ـ فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل عليهم شهاب يحرقهم.. ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهابا يحترق في السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين.. كأن المسألة في أذهان الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين.. الذي هو الشيطان.

واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً }
[الجن: 8]


{  وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }
[الجن: 10]

أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع.. ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟.. أنظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: { وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ }.. كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم حتى كادوا يلمسونها.. فالله تبارك وتعالى في هذه الحالة ـ وهي اتباع اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء التي تضر ولا تفيد ـ أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله.. فقال جل جلاله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ }..

وكان المنطق يقتضي أن يخص الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه.. ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ }.

إذن الشياطين هم الذين نشروا الكفر.. وكيف كفر الشياطينُ وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟.. يقول الله سبحانه وتعالى: { وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ }.

ما قصة كل هذا؟.. اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة.. سليمان عليه السلام حين جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من بعده.. واقرأ قوله تعالى:
{  قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ }
[ص: 35-38]

وهكذا أعطى سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك.. حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه.. وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس.. وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس.. فأراد الله سبحانه وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر.. قال جل جلاله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ }.

ما هو السحر؟.. الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل وأول طلوع النهار.. حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح.. هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع.. إنه قائم على شيئين.. سحر العين لترى ما ليس واقعا على أنه حقيقة.. ولكنه لا يغير طبيعة الأشياء.. ولذلك قال الله تبارك وتعالى في سحرة فرعون:
{  سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ }
[الأعراف: 116]

إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعا وما ليس حقيقة.. وتصبح عين المسحور خاضعة لإرادة الساحر.. ولذلك فالسحر تخيل وليس حقيقة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{  قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ }
[طه: 66]

إذن مادام الله سبحانه وتعالى قال: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ }.. فهي لا تسعى.. إذن فالسحر تخيل.. وما الدليل على أن السحر تخيل؟.. الدليل هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون.. ذلك أن الساحر يسحر أعين الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد.. حينما جاء السحرة وموسى.. اقرأ قوله سبحانه:
{  قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ }
[طه: 65-66]

عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خُيِّل للموجودين إنها حيات تسعى.. ولكن هل خيل للسحرة إنها حيات؟ طبعا لا.. لأن أحدا لم يسحر أعين السحرة.. ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالا وعِصِيّاً.. حين ألقى موسى عصاه واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ * فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ }
[طه: 69-70]

هنا تظهر حقيقة السحر.. لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي حبالا وعصيا.. ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم.. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى حية حقيقية.. فعرفوا أن هذا ليس سحرا ولكنها معجزة من الله سبحانه وتعالى.. لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا موسى قد تحولت إلى حية.. ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل إلى الناس أنها تحولت إلى حية.

إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على حقيقته لذلك فإنه لا يخاف.. بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن الشيء قد تغيرت طبيعته.. ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ليست سحرا.. ولكنها شيء فوق طاقة البشر.

السحر إِذن تخيل والشياطين لهم قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع أن نراه في صورة مادية.. فإذا تشكل في صورة إنسان رأيناه إنسانا، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه حيوانا، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة.. فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة تحكمه بقانونها.. وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم يختفي في ثوان.. لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله خصوصا أن قانون التشكل يحكمه.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال:

" ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني تذكرت قَول أخي سليمان: " رب هب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ". فتركته " الحديث لم يُخَرَّجْ.

ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن الصورة تحكمه.. وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيما.. فالله سبحانه وتعالى جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد.. بمعنى أننا لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحا وجد التوازن.. فإذا ملك أحدنا سلاحا وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن قد اختل وهذا مالا يقبله الله.

السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون.. لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك.. الإنسان عندما يطلب ويتعلم كيف يسخر الجن.. يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ليست حقيقة.. لأن هذا يغريه على الطغيان.. والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس.. إنسان يستطيع أن يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله إختل التوازن في المجتمع. والله سبحانه وتعالى يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون.. ولذلك يقول لنا لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون.

ولكن الله جل جلاله شاءت حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر بذاتيته.. ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض.. ولقد كانت معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال:
{  قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }
[الأعراف: 12]

إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا الأعلى في العنصر ـ وهو الشيطان ـ يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ولا ميزة لهم.. ولكنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى.. فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصراً للأدنى.

واقرأ قوله سبحانه: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ }.. فالله تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر.. ولقد رويت عن هذه الملكين قصص كثيرة.. ولكن مادام الله سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر.. فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين.. وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروي لنا القرآن الكريم:
{  قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }
[البقرة: 20]

حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة.. أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت.. وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر. هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة.. لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله.. ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله جل جلاله.. وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر.. وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك.. والفتنة هي الامتحان.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }.. إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر.. وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه.. وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله.. فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى..

ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى: { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.. إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع.. فهو لا يجلب نفعا أبدا حتى لمن يشتغل به.. فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على غيره من البشر فهم افضل منه.. وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالا، وتجد شكله غير طبيعي وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيرا لا يملك شيئا وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته.

إذن فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر.. والذي يشتغل بالسحر يموت كافرا ولا يكون له في الآخرة إلا النار.. ولذلك قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك.. لأنهم لم يأخذوا شيئا إلا الضر.. ولم يفعلوا شيئا إلا التفريق بين الناس.. وهم لا يستطيعون أن يضروا أحدا إلا بإذن الله.

والله سبحانه وتعالى إذا كانت حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها.. فإنه سبحانه قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر.. ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان السحر أو يقرأ عنه.. لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في الشر.. كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالبا ما تنقلب عليه لتذيقه وبال أمره وتكون شرا عليه وعلى أولاده.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:
{  وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً }
[الجن: 6]

أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألوانا من العذاب..


www.alro7.net