سورة
اية:

قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : { قل} يا محمد { لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك} أي يا أيها الإنسان { كثرة الخبيث} ""أخرج الواحدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تحريم الخمر، فقال أعرابي: إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي فاعتقت منها مالاً، فهل ينفع ذلك المال إن عملت بطاعة اللّه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اللّه لا يقبل إلا الطيب)، فأنزل اللّه: { قل لا يستوي} الآية كما في (اللباب) يعني أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار كما جاء في الحديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) وقال أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة: إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(قليل تؤدي شكره خير من كثير لاتطيقه)، { فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به { لعلكم تفلحون} أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوه عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، وقال البخاري عن أنس بن مالك قال: خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قال فغطى أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: (فلان) فنزلت هذه الآية: { لا تسألوا عن أشياء} ، وعن أبي هريرة قال: خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ قال: (في النار)، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة)، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا باللّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماما، إنّا يا رسول اللّه حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم السدي. قال البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللّه فيهم هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} حتى فرغ من الآية كلها. وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، الحديث. وقوله تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تبين لكم، وذلك على اللّه يسير، ثم قال: { عفا اللّه عنها} أي عما كان منكم قبل ذلك { واللّه غفور حليم} وقيل المراد بقوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: (أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها، { عفا اللّه عنها} أي ما لم يذكره في كتابه، فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، وفي الحديث الصحيح أيضاً: (إن اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها) ثم قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} أي قد سأل هذه المسائل المنهى عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، أي بينت لهم فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أذّن في الناس فقال: (يا قوم كتب عليكم الحج) فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول اللّه أفي كل عام؟ فأغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فقال: (والذي نفسي بيده لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذاً لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه)، فأنزل اللّه هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى اللّه عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. ثم قال: { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} روي عن عكرمة رحمه اللّه: أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهاراً وأن يجعل لهم الصفا ذهباً وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وقد قال اللّه تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون} الآية. وقال تعالى: { وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند اللّه وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} .

تفسير الجلالين

{ قل لا يستوي الخبيث } الحرام { والطيب } الحلال { ولو أعجبك } أي سرك { كثرة الخبيث فاتقوا الله } في تركه { يا أولي الألباب لعلكم تفلحون } تفوزون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيث وَالطَّيِّب وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ يَا مُحَمَّد لَا يَعْتَدِل الرَّدِيء وَالْجَيِّد , وَالصَّالِح وَالطَّالِح , وَالْمُطِيع وَالْعَاصِي . { وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } يَقُول : لَا يَعْتَدِل الْعَاصِي وَالْمُطِيع لِلَّهِ عِنْد اللَّه وَلَوْ كَثُرَ أَهْل الْمَعَاصِي فَعَجِبْت مِنْ كَثْرَتهمْ ; لِأَنَّ أَهْل طَاعَة اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ الْفَائِزُونَ بِثَوَابِ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ قَلُّوا دُون أَهْل مَعْصِيَته , وَإِنَّ أَهْل مَعَاصِيه هُمْ الْأَخْسَرُونَ الْخَائِبُونَ وَإِنْ كَثُرُوا . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَعْجَبَنَّ مِنْ كَثْرَة مَنْ يَعْصِي اللَّه فَيُمْهِلهُ وَلَا يُعَاجِلهُ بِالْعُقُوبَةِ فَإِنَّ الْعُقْبَى الصَّالِحَة لِأَهْلِ طَاعَة اللَّه عِنْده دُونهمْ . كَمَا : 9970 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْتَوِي الْخَبِيث وَالطَّيِّب وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } قَالَ : الْخَبِيث : هُمْ الْمُشْرِكُونَ وَالطَّيِّب : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَهَذَا الْكَلَام وَإِنْ كَانَ مَخْرَجه مَخْرَج الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَالْمُرَاد بِهِ بَعْض أَتْبَاعه , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله : { فَاتَّقُوا اللَّه يَا أُولِي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيث وَالطَّيِّب وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ يَا مُحَمَّد لَا يَعْتَدِل الرَّدِيء وَالْجَيِّد , وَالصَّالِح وَالطَّالِح , وَالْمُطِيع وَالْعَاصِي . { وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } يَقُول : لَا يَعْتَدِل الْعَاصِي وَالْمُطِيع لِلَّهِ عِنْد اللَّه وَلَوْ كَثُرَ أَهْل الْمَعَاصِي فَعَجِبْت مِنْ كَثْرَتهمْ ; لِأَنَّ أَهْل طَاعَة اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ الْفَائِزُونَ بِثَوَابِ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ قَلُّوا دُون أَهْل مَعْصِيَته , وَإِنَّ أَهْل مَعَاصِيه هُمْ الْأَخْسَرُونَ الْخَائِبُونَ وَإِنْ كَثُرُوا . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَعْجَبَنَّ مِنْ كَثْرَة مَنْ يَعْصِي اللَّه فَيُمْهِلهُ وَلَا يُعَاجِلهُ بِالْعُقُوبَةِ فَإِنَّ الْعُقْبَى الصَّالِحَة لِأَهْلِ طَاعَة اللَّه عِنْده دُونهمْ . كَمَا : 9970 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْتَوِي الْخَبِيث وَالطَّيِّب وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَة الْخَبِيث } قَالَ : الْخَبِيث : هُمْ الْمُشْرِكُونَ وَالطَّيِّب : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَهَذَا الْكَلَام وَإِنْ كَانَ مَخْرَجه مَخْرَج الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَالْمُرَاد بِهِ بَعْض أَتْبَاعه , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله : { فَاتَّقُوا اللَّه يَا أُولِي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاتَّقُوا اللَّه بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ , وَاحْذَرُوا أَنْ يَسْتَحْوِذ عَلَيْكُمْ الشَّيْطَان بِإِعْجَابِكُمْ كَثْرَة الْخَبِيث , فَتَصِيرُوا مِنْهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاتَّقُوا اللَّه بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ , وَاحْذَرُوا أَنْ يَسْتَحْوِذ عَلَيْكُمْ الشَّيْطَان بِإِعْجَابِكُمْ كَثْرَة الْخَبِيث , فَتَصِيرُوا مِنْهُمْ .' يَعْنِي بِذَلِكَ : أَهْل الْعُقُول وَالْحِجَا , الَّذِينَ عَقَلُوا عَنْ اللَّه آيَاته , وَعَرَفُوا مَوَاقِع حُجَجِهِ .يَعْنِي بِذَلِكَ : أَهْل الْعُقُول وَالْحِجَا , الَّذِينَ عَقَلُوا عَنْ اللَّه آيَاته , وَعَرَفُوا مَوَاقِع حُجَجِهِ .' يَقُول : اِتَّقُوا اللَّه لِتُفْلِحُوا : أَيْ كَيْ تَنْجَحُوا فِي طُلْبَتكُمْ مَا عِنْده .يَقُول : اِتَّقُوا اللَّه لِتُفْلِحُوا : أَيْ كَيْ تَنْجَحُوا فِي طُلْبَتكُمْ مَا عِنْده .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل لا يستوى الخبيث والطيب} . فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال الحسن { الخبيث والطيب} الحلال والحرام. وقال السدي : المؤمن والكافر. وقيل : المطيع والعاصي. وقيل : الرديء والجيد؛ وهذا على ضرب المثال. والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور، يتصور في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها؛ فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة. قال الله تعالى { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف : 58]. ونظير هذه الآية قوله تعالى { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص : 28] وقوله { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية : 21] ؛ فالخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا، ولا مكانا ولا ذهابا، فالطيب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشمال، والطيب في الجنة، والخبيث في النار وهذا بين. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدها الاعوجاج. ولما كان هذا وهي : الثانية: قال بعض علمائنا : إن البيع الفاسد يفسخ ولا يمضى بحوالة سوق، ولا بتغير بدن، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يفسخ أبدا، ويرد الثمن على المبتاع إن كان قبضه، وإن تلف في يده ضمنه؛ لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد. وقيل : لا يفسخ نظرا إلى أن البيع إذا فسخ ورد بعد الفوت يكون فيه ضرر وغبن على البائع، فتكون السلعة تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، ولا عقوبة في الأموال. والأول أصح لعموم الآية، ولقوله عليه السلام : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). قلت : وإذا تتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعددت وكثرت. فمن ذلك الغاصب وهي: الثالثة:إذا بنى في البقعة المغصوبة أو غرس فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس؛ لأنه خبيث، وردها؛ خلافا لأبي حنيفة في قوله : لا يقلع ويأخذ صاحبها القيمة. وهذا يرده قوله عليه السلام : (ليس لعرق ظالم حق). قال هشام : العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ليستحقها بذلك. قال مالك : العرق الظالم كل ما أخذ واحتفر وغرس في غير حق. قال مالك : من غصب أرضا فزرعها، أو أكراها، أو دارا فسكنها أو أكراها، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطلها؛ فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيه شيء؛ وقد روي عنه أنه عليه كراء ذلك كله. واختاره الوقار، وهو مذهب الشافعي؛ لقوله عليه السلام : (ليس لعرق ظالم حق) وروى أبو داود عن أبي الزبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال : فلقد رأيتها، وأنها لتضرب أصولها بالفؤوس حتى أخرجت منها وإنها لنخل عُمّ. وهذا نص. قال ابن حبيب : والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرا على الظالم، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعا، وإن شاء نزعه من أرضه؛ وأجر النزع على الغاصب. وروى الدارقطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض) قال علماؤنا : إنما تكون له القيمة؛ لأنه بنى في موضع يملك منفعته. وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حق؛ إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته قائما، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس : ادفع إليه قيمة أرضه براحا؛ فإن أبى كانا شريكين. قال ابن الماجشون : وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض براحا، ثم تقوم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحا كان العامل شريكا لرب الأرض فيها، إن أحبا قسما أو حبسا. قال ابن الجهم : فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كراؤها فيما مضى من السنين. وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعا والأول أصح لقوله عليه السلام : (فله القيمة) وعليه أكثر الفقهاء. الرابعة: قوله تعالى { ولو أعجبك كثرة الخبيث} قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث. وقيل : المراد به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. { فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} تقدم معناه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 97 - 103

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن فالخبيث لا يستوي أبداً مع الطيب، بدليل أن الإنسان منا إذا ما ذهب لشراء سلعة فهو يفرز البضاعة ليختار الطيب ويبتعد عن الخبيث. وهذه قضية كونية مثلها تماماً مثل عدم تساوي الأعمى والبصير، وعدم استواء الظلمات والنور. ويأتي الحق إلى المحسات ليأخذ منها ما يوضح لنا الأمر المعنوي. ولذلك يحذرنا أن نغتر بكميات الأشياء ومقدارها، فإن الطيب القليل هو أربى وأعظم وأفضل من الكثير الخبيث. والأمر الطيب قد يرى الإنسان خيره في الدنيا، ومن المؤكد أن خيره في الآخرة أكثر بكثير مما يتصور أحد؛ لأن عمر الآخرة لا نهاية له، أما عمر الدنيا فهو محدود.

وكثير من الناس عندما يحضرون قسمة ما، فكل واحد يرغب في أن يأخذ لنفسه النصيب الأكبر؛ لأن الإنسان تغريه الكثرة. وهذا الطمع يشيع الخبث في جميع ما يأخذه الطامع، فالذي يطمع في حفنة من قمح - على سبيل المثال - تزيد على حقه، فهو يفسد حياته بهذا الشيء الخبيث. وذلك كخلط الماء الطاهر بماء نجس فتغلب النجاسة على الماء. إذن فلا يصح أن نحكم على الأشياء بكميتها وقَدْرِها، ولكن يجب أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبعمرها في الخير.

والمثال الذي لا أمل من تكراره هو التلميذ الذي يكد لمدة عشرين عاماً فهو يتخرج إنساناً له مكانة لائقة، أما التلميذ الذي يقضي عشرين عاماً في اللعب واللهو فهو يتلقى وينال مستقبلا فاشلا مؤلما. إذن، على كل منا أن يقدر النفعية بديمومتها، ولا يغتر بكثرة الخبيث.

والمثال يتكرر في حياتنا ولا بد أن نضعه أمام أعيننا لنرعى الله ولا ننساق كما ينساق كثير من الناس إلى هلاكهم، فبعض الناس لا يرتضون قسمة الله في مواريثهم، فيعطي بعضُهم للذكور ولا يعطي للإناث. أو يقلل من نصيب الإناث. ونقول لمن يفعل ذلك: أنت لا تعلم ماذا تفعل. ولو أن ابنك الذكر يعلم أن يد الله في الأشياء لقال لك: ارحمني ولا تزدني؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال:
{  آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً }
[النساء: 11].

ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى أن قسمة الله هي أعدل قسمة، وإياك أن تظلم ابناً لك أو قريباً بزيادة فوق ما قدره الله له؛ لأن هذا عين الظلم. فإن فاتت على المورِّث وهو حي نقول لمن أخذ: احذر ولا تقبل ما هو فوق شرع الله وأَعِدْ ما هو فوق حقك. افعل ذلك برجولة الإيمان. وإياك أن تظن أن الذي سيديم الستر لأولادك هو هذه الزيادة التي ليس لك حق فيها؛ لأنك بهذه الزيادة ستقطع الأرحام وتغرس بذور الكراهية والبغض.

ولو نظرت إلى هذه المسألة وأقمتها على ما شرعه الله فستجد أن الرزق سيفيض عليك من كل جانب ما دمت قد راعيت حق الله في إرادته التي حكم بها لينشأ الاستطراق الأسري وتظهر العدالة الربانية؛ لذلك يجب ألا يجتريء أحد على قسمة الله؛ لذلك أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات ويفكر في الاجتراء على قسمة الله.تُب إلى الله ولا يصح أن تشوه استقامتك الإيمانية. وإياك أن يظن إنسان أنه كأب يمكنه أن يحتاط لأبنائه. فكثيراً ما رأينا أناساً تركهم أهلهم أغنياء وصاروا في عوز وفاقة وفقر، ورأينا أناساً أهلهم فقراء، وأفاض الله عليهم من رزقه، فسبحانه القائل:
{  وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً }
[النساء: 9].

إذن فعلى المؤمن أن يحذر الكثرة إن كان بها شيء خبيث. ولنا العبرة في الحكاية التي حدثت مع أبي جعفر المنصور حينما بويع للخلافة، وذهب الناس يهنئونه بإمارة المؤمنين، ودخل عليه سيدنا مقاتل بن سليمان وكان أحد الواعظين.

هنا قال أبو جعفر لنفسه: جاء ليعكر علينا صفو يومنا، سأبدأه قبل أن يبدأني وقال له: عظنا يا مقاتل. قال مقاتل: أعظك بما رأيت أم بما سمعت؟

ذلك أن السمع أكثر من الرؤية، فالرؤية محدودة ومقصورة على ما تدركه العين، لكن السمع متعدد؛ لأن الإنسان قد يسمع أيضاً تجارب غيره من البشر.

قال أبو جعفر: تكلم بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين، مات عمر بن عبدالعزيز وقد ترك أحد عشر ولداً. وخلف ثمانية عشر ديناراً كُفن منها بخمسة، واشتروا له قبراً بأربعة، ثم وزع الباقي على ورثته. ومات هشام بن عبدالملك، فكان نصيب إحدى زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، غير الضياع والقصور. كان نصيب الزوجات الأربع هو ثلاثمائة وعشرون ألف دينار، وهذا هو ثُمن التركة فقط. والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت بعيني هاتين في يوم واحد ولداً من أولاد عمر بن عبدالعزيز يحمل على مائة فرس في سبيل الله، وولدا من أولاد هشام بن عبدالملك يسأل الناس في الطريق.

إذن فعلى كل منا أن يعرف أنه لم يدخل الدنيا بثروة، وعليه أن يتأدب مع الله ويرعى حق الله، ولا يتدخل في قسمة الله.

{ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة: 100].

على المسلم - إذن - أن يستحضر كل ملكاته العقلية حتى يميز الخبيث من الطيب ويرفض الشيء الخبيث؛ لأننا لو تدبرنا الحكم بعقولنا لوصلنا إلى أن حكم الله هو الحكم الحق العادل.

{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والفلاح - كما نعلم - مأخوذ من أمر محس وهو فلح الأرض، فالإنسان يأخذ حبة قمح ويزرعها فتعطيه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والحق سبحانه يسمي لنا كل عمل الآخرة بالفلاح؛ لأن الكلمة لها وقعها الجميل، فإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة من مخلوقات الله بما تحتويه من كل العناصر اللازمة للزرع واللازمة لكل حياة، هذه الأرض تعطينا لقاء حبة قمح سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، فكم يعطيك خالق الأرض؟ فاتق الله أيها المسلم ولا تتدخل في قسمة الله، وضع أمامك هذا التوجيه الحكيم الذي ورد في الأثر: شرّكم من ترك عياله بخير وأقبل على الله بشرِّ.وعلى الأبناء الذي ابتلوا بهذا أن يراجعوا الأمر بنخوة إيمانية؛ لأن الأب حينما أحب ابناً له وزاد له في الميراث كان أحمق الحب، وعلى الابن أن يحترم عاطفة الحب، وأن يجازي الأب عنها ويرحمه، فيعيد الأمر إلى نصابه ويعطي كل ذي حق حقه حتى لا يتعرض أبوه لعذاب النار الذي سيناله نتيجة تدخله لصالحه في قسمة الله.

ويقول الحق بعد ذلك: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ...} الآية. [100].
[أخبرنا الحاكم أبو عبد الرحمن الشَّاذْياخِي، قال:] أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبيد الله [البَيِّع] قال: أخبرني محمد بن القاسم المؤدب [قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب الرَّازِي] قال: حدَّثنا إدريس بن علي الرَّازي، قال: حدَّثنا يحيى بن الضُّرَيس قال: حدَّثنا سفيان عن محمد بن سُوقَة عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر، قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل حرّم عليكم عبادة الأوثان، وشرب الخمر، والطعن في الأنساب؛ ألا إن الخمر لُعِنَ شاربُها وعاصرُها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها. فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي فاعْتَقَبْتُ من بيع الخمر مالاً، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أنفقته في حجٍ أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إِنَّ الله لا يقبل إلا الطيب. فأنزل الله تعالى تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} [فالخبيث: الحرام].


www.alro7.net